حماةُ مدينة العاصي والنواعير

قالوا : حماة , فقلت : فجر مشرق والكوثر الرًّقراق فيها يغدق
الصفحة الرئيسية
ترجمه مفصلة عن وليد
حماة و وليد
صور
حماه عبر التاريخ
الشعر الفصيح
التكريم والتأبين
بحث د الدغيم
مقالات بصراحة
معلم الأجيال
أغاني شعبية
بعض الشهادات
أبو الفداء صاحب حماه
مقالات في مجلات
مقالات في مجلات 2
مقالات في مجلات 3
مقالات في مجلات 4
آثاره المطبوعة
رمضان في الذاكرة
خواطر صحفية
صور العاصي والنواعير
صور العاصي والنواعير 2
مقالات مسافر على الورق
البرامج المصورة
الأستاذ لمباركية نوار
مشاعر الأصدقاء
دفتر الزوار
للإتصال بنا

حقا .. إن النواعير عنوان الطابع اللازمني .. إنها منذ فجر التاريخ تدور , ومازالت حتى يومنا الحاضر , وهي دائما وأبدا :

                                                              تبغي مصافحة السماء إذا علت

                                               فيردها شوقا إليه غدير 

    ولهذا فأنت إذا جست خلال مدينة حماة , ونقرت ظلالها , صا فحت عينيك لوحات طبيعية نادرة في العالم كله .. وفي مقدمتها لوحة النواعير الأربع , وساحة العاصي , وجسر بيت الشيخ , وتحت القلعة , وباب النهر , وغيرها

 

 

 أقدم أثر عن الناعورة :

ولعل أقدم أثر تاريخي وصلنا عن النواعير هو لوحة فسيفسائية للناعورة نفسها عثر عليها في شارع الأعمدة في مدينة أفامية الأثرية وهي موجودة الآن في حديقة متحف دمشق , ويرجع عهدها إلى القرن الخامس الميلادي في حين رأى بعض الدارسين أنها تعود إلى القرن الثاني الميلادي , وهو القرن الذي شق فيه وبني شارع الأعمدة ذاته , وشكل الناعورة كما يبدو في اللوحة مطابقا تماما لشكلها الحالي , وهذا أن هناك مراحل زمنية طويلة مرت بها الناعورة حتى اتخذت شكلها النهائي , ويعني كذلك أنها منذ نحو 1800 عام أو تنقص قليلا لم تتبدل ولم تتغير ..

 

الناعورة في اللغة  :

للنواعير في تراثنا العربي ثلاثة مسميات , فهي الدولاب وهذا نابع من شكلها , وهي الساقية وهذا نابع من عملها , وهي الناعورة و الناعور وهذا نابع من صوتها .

يقال: نعرت الريح إذا هبت مع صوتها , و النعير : صوت في أقصى الأنف , وامرأة نعّارة : صخابة .. والناعور : واحد النواعير التي يستقى بها يديرها الماء ولها صوت , وتجمع الكلمة أيضا على نواعير وناعورات . وقد شاعت كلمة ناعورة ونواعير بشكل كبير على هذه الآلات الخشبية الكبيرة المنصوبة على نهر العاصي , وخاصة في مدينة حماة وضواحيها , في حين يطلق عليها في مصر اسم الساقية ويجمع على سواق, وأبرزها سواقي  ( نواعير ) مدينة الفيوم .

 

صناعة النواعير :

ومادة النواعير الأساسية هي الأخشاب , وأهمها الحور والجوز والتوت والكينا والمشمش والأكاسيا والسنديان .. وغيرها , ومن الطبعي أن هذه الأخشاب تؤخذ من الأشجار غير المثمرة أو التي غدت هرمة عديمة النفع في بساتين محافظة حماة وسواها من المحافظات .

وتبدأ العملية بقطع الأشجار بالطريقتين اليدوية والآلية , وبعد القطع يجري حملها وأخذها إلى المحورة (قسم النواعير التابع لمجلس مدينة حماة ) , وفي قسم النواعير هذا تبدأ عملية تصنيع أجزاء الناعورة بمختلف أشكالها و أنواعها وأبعادها , في حين تكون فرقة ( ورشة ) الحدادة البلدية تقوم بتصنيع المسامير الحديدية الخاصة بالناعورة بسرعة وخبرة واضحتين .. وكان في حماة وضواحيها فرق ( ورش ) عديدة خاصة لتصنيع النواعير لم يبق منها واحدة في أيامنا

سدود وأبراج :

وفي الوقت نفسه الذي يجري فيه تصنيع أجزاء الناعورة تقوم جماعة العمال بترميم برج الناعورة الحجري والسد المقام على نهر العاصي في المكان نفسه , ومما لاشك فيه أن إقامة السد الحجري أو الخشبي تسبق تصنيع أجزاء الناعورة الخشبية , وهذا السد يجز المياه خلفه ويجعلها ترتفع في المنسوب شيئا فشيئا , ثم يقام على أحد أطراف السد البرج الحجري بالارتفاع المطلوب , وفي أسفل البرج يترك بين جزئيه فتحة في السد تسمح بتدفق المياه بحيث يجري نهر العاصي كاملا من خلالها ومن الفتحات الأخرى الموجودة في السد , سواء أكانت لناعورة أو ناعورتين أخريين أو للطواحين ( الأرحية ) المائية .

ولعل أبرز أقسام البرج : المثلثة وموقعا القلب والبيب ثم النقير والساقية التي تستقبل المياه وتسير بها , وهي محمولة على قناطر , وكانت تتخلل مدينة حماة وتقوم بإيصال المياه إلى البيوت والخانات والحوانيت والحدائق والبساتين وغيرها..

قياس دقيق :

ويبدأ العمل في انطلاقته الأولى من برج الناعورة , حيث يقوم عاملان بقياس دائرة الناعورة الكبرى مع توابعها وارتفاعها بوساطة قطعة من القصب طويلة على مرحلتين : الأولى من موقع قلب الناعورة إلى قعر

مجرى الماء ( البيب )  والثانية من موقع قلب الناعورة إلى أعلى البرج ( النقير ) , ويرافق قطعة القصب حبل متين .

وعلى الأرض المجاورة للناعورة يدق في منطقة وسطى مسمار كبير يدل على مركز الناعورة ( قلبها ) , ويربط بهذا المسمار حبل القياس المتين , ثم يشرع أحد العمال برسم دائرتين على الأرض : صغرى وكبرى بوساطة مسمار حديدي آخر مربوط بنهاية الحبل , وبهذا يكون قطرا الناعورة الأكبر و الأصغر قد رسما على الأرض , وعلى أساسهما وتبعا لقياسهما يجري تصنيع الأجزاء الخشبية وخاصة الوشاحات             ( الأضلاع )

والدائرتان الكبرى والصغرى .

الكفت:

والكفت قطعتان كبيرتان من خشب الجوز حصرا , ويقوم العمال بتصنيعه يدويا , ويجري تقوير ( تفريغ )  جزئه العلوي على شكل هلال , لأن القطعتين ستكونان كالوسادة تحت طرفي قلب الناعورة , ويصل كفت بعض النواعير _ كناعورة المأمورية في حماة _ إلى طول مترين ونصف المتر وتربيع 70 سم مربع .

القلب :

وقلب الناعورة هو مركزها أو محورها , وعليه تدور , ويجري تصنيعه بالطريقة اليدوية بقياس دقيق للغاية , وخشبه من أشجار الجوز حصرا لمتانته وتماسكه , ولايمكن أن يكون من سواها لأنه سيحمل الناعورة بكل أجزائها _ والتي يصل وزن بعضها إلى ما يربو على خمسين طنا , وهذا الوزن _ إن لم يكن القلب من خشب الجوز _ كفيل بدهس القلب وتمزيقه , ويكفي أن نذكر أن قلب ناعورة المأمورية بطول أربعة أمتار وتربيع 80سم مربع , ووزنه 3800كج .

الأعتاب :

والأعتاب جمع لكلمة عتبة , وعددها ست عشرة عتبة لكل ناعورة , صغيرة كانت أو كبيرة وخشبها من أشجار الجوز فقط , وهي ترتبط بالقلب مباشرة على شكل إطار وتحيط به من جهاته الأربع المصنعة . وهي التي ستدق بها رؤوس الوشاحات . ومن هنا فعملها ومكانها ودقتها على نهاية من الأهمية .

الوشاحات :

والوشاحات جمع كلمة وشاح , وتكون من خشب الحور الطويل , وقد يصل طول بعض الوشاحات إلى اثني عشر مترا , والوشاحات أضلاع النواعير , وعددها لكل ناعورة _ مهما يكن حجمها _ ثمانية وأربعون وشاحا , ويكون كل وشاحين متقابلين تفصل بينهما الأعتاب والدوائر , وتدق رؤوس الوشاحات السفلى في الأعتاب , ورؤوسها العليا في الدوائر العليا .

الدوائر :

والدوائر جمع لكلمة دائرة وهي دائرتان _ كما أسلفنا _ صغرى ( وسطى ) وكبرى ( عليا ) , و لكل ناعورة أربع وعشرون قطعة من خشب الجوز أو التوت يتصل بعضها ببعض فتشكل الدائرة , وفائدة هاتين الدائرتين ربط الوشاحات .

ومع انتهاء ربط الوشاحات بالدوائر ينتهي القسم الأول من تصنيع الناعورة , وتصبح الناعورة في شكلها العام جاهزة .. ويقوم العمال بترقيم أجزائها لتعرفها بعد فكها إلى قطع ليتمكنوا من حملها وتركيبها على البرج الحجري .

عملية الإنشاء :

إن أول قطعة توضع على جسم البرج الحجري ( الحجرية ) هو قطعتا الكفت , ثم تجري عملية حمل القلب وسحبه على درج المثلثة بوساطة الحبال وبجهود عدد كبير من العمال , ليأخذ مكانه مستريحا على وسادتي الكفت .

وما إن تصل الأعتاب المنقولة على أكتاف العمال حتى يجري تثبيتها حول القلب بشكل فني دقيق , وبوساطة أسافين ( قطع خشبية مدببة الأطراف ) تدعى أسافين الصر بحيث تدخل فيما بين الأعتاب وجسم القلب , في حين يجري تثبيت الأعتاب بعضها ببعض بوساطة المسامير الحديدية البلدية .

بعد ذلك يشرع العمال في تركيب الوشاحات الثمانية و الأربعين , وتربط بدقة وإحكام مع الدائرتين العليا والسفلى , وتستعمل المسامير الحديدية البلدية في تركيب قطع الدوائر .. وقد تحتاج بعض الوشاحات إثر تصنيعها وعند موعد تركيبها إلى تثقيف لكي تأخذ مكانها الطبيعي بين الأعتاب فيجري ذلك يدويا بمهارة فائقة .

أجزاء أخرى من الناعورة :

بعد تركيب أجزاء الناعورة التي كانت على الأرض وجرى فكها ونقلها من قبل تبدأ عمليات تركيب عمليات تركيب الأجزاء الأخرى المصنعة والتي تأخذ الأجزاء دورها ومكانها تباعا على هيكل الناعورة .

وأولها : الرادين : جمع لكلمة رادينة , وخشبها من الجوز أو التوت , وهي ذات رأس رفيع ومن الجانب الآخر ذات صفحة منبسطة , ويجري إدخال رؤوسها الرفيعة السفلى في فتحات في الدائرة العليا , ويجري تثبيتها بوساطة ( ورشة ) أسافين ..

وثانيها : القبون : جمع لكلمة قبونة , وهي بداية تكوين صناديق الماء , وتكون من خشب الجوز وغيره , وتوضع بين الرادين و الرادين الذي يليه على شكل طبقتين متوازيتين متقابلتين بينهما فارغ , وتثبت بأخشاب دقيقة الرأس تسمى القراعات _ جمع كلمة قراعة _ ..

وثالثها : الطبق : جمع لكلمة طبقة , وتأتي الطبقة هذه بعد انتهاء تركيب صفحات القبون جميعا وخشبها من الجوز , ويطبق بها كل القبون من الخلف , ومن الأمام يطبق به نصفه ليس غير , فيشكل صندوق الماء أو بيت الماء كما يسميه صانعوا النواعير .

رابعها :المقدات : جمع لكلمة مقدّ وتكون من خشب الجوز أو التوت أو الصفصاف , وهي على شكل ممر بحافتين , وتوضع في مقدمة نصف القبون الذي لم يغلق بالطبق لتشكل الميازيب التي ينصب منها الماء ( حينما تدور الناعورة ) في الحوض الأعلى من البرج الذي أسميناه النقير ..

وخامسها : الريش : جمع لكلمة ريشة , وخشبها من الجوز , وهي قطعة خشبية شبه مستطيلة تدق كل واحدة منها على رأس كل رادينة , وطرفاها زائدان على رأس الرادينة من الأمام والخلف ..

وفائدة الريش إعطاء قوة دوران للناعورة حين يصطدم الماء الدافق بها .

وسادسها : الجامقات جمع كلمة جامقة , وهي من خشب الشوح أو الجوز على شكل خشبات مستطيلة تدق بعضها إلى جوار بعض بأخشاب معترضة فتشكل صفحة واسعة , ويتم تركيبها خلف صندوق الناعورة ويدق رأسها فوق الريشة لتضمن قوة دوران الناعورة , ويجري تسميرها بأخشاب للتقوية تدعى العضايض ( جمع كلمة عضيضة ) , وهي التي تربط الجامقات بالرادين .

وسابعها : الأبواب : جمع كلمة باب , وخشبها من الحور أو الشوح على شكل خشبات مستطيلة قريبة في شكها من الجامقات , وتتميز بعرضها , ويوضع كل باب فوق كل وشاحين متقابلين وطرفاه زائدان عنهما , وفائدته كالريش والجامقات تقوية دوران الناعورة حين تصطدم به المياه المتدفقة في مجرى البرج ( البيب ) .

وثامنها :البيكار : وهو من خشب الشوح , على شكل إطار سماكته سنتيمتر واحد , ويدق على الرادين جميعها ويربطها بعضها ببعض

ولعل ما ذكرنا كان أبرز أقسام الناعورة وأجزائها , على أن هناك أجزاء وأقساما أخرى نأتي على ذكرها سراعا وهي :

_ القيود : الأخشاب العريضة القصيرة التي تصل بين الوشاحين المتقابلين لربطهما الواحد بالآخر, ومفردها : قيد .

_ الأطابيع : مسامير خشبية من السنديان بطول 40سم وسماكة خمسة سنتيمترات لربط الوشاحات بالدائرتين العليا والوسطى , ومفردها : إطبيع .

_ المسامير البلدية الحديدية وهي سبعة أنواع : مسامير سكة للأعتاب , مسامير وصل للدوائر , مسامير فرخ للوشاحات , مسامير توشيح للأعتاب والوشاحات معا لربطها بعضها ببعض , مسامير ريشي للريش والجامقات لربطهما بعضها ببعض , مسامير فطي للمعدات .

المسامير الإفرنجية : وتستعمل للجامقات والأبواب في حالة انفرادها , وللمعدات ليس غير .

وهكذا...

يتم إنشاء الناعورة التي يبلغ وزن الكبيرة منها فارغة ما يقارب الواحد والثلاثين طنا قبل أن تحمل الماء وقبل أن تغرق أجزاؤها بفيضة , وقبل أن ينبت على أقسامها ذاك الحشيش الأسود الذي يميزها بلونها المعروف, وحينذاك يربو وزنها على خمسين طنا , ولاسيما إذا علمنا أن عدد صناديق الماء في ناعورة المأمورية هو 120صندوقا , وكانت سعة الصندوق قبل عام 1949 م ( حينما كانت حماة بمن فيها ومافيها تستقي من مياه العاصي بوساطة النواعير ) مايقارب ال 20 لترا دفعة واحدة ..

فإذا علمنا أن الناعورة تدور في الحالة الطبيعية دورة كاملة كل 20 ثانية , فمعنى هذا أنها تعطي في خلال هذه الثواني العشرين ما يربو على ألفي لتر من الماء , وفي خلال دقيقة واحدة ما يزيد على ستة آلاف لتر من الماء , ويوجد دائما فوق حوض الناعورة الأعلى ( النقير ) ثمانية صندوقا تقذف قرابة 300لتر من الماء في كل لحظة .. ولنا أن نتساءل هل هناك مصدر للماء يأتي من آلة يتفوق على العطاء من دون نفط أو زيت أو كهرباء أوجهد بشري ..

 

اختصاص بالنواعير  :

ولعل من الملاحظ أن حماة وماقبلها وما بعدها قد اختصت بالنواعير من دون غيرها والسبب في ذلك أن نهر العاصي بعد خروجه من مدينة الرستن باتجاه مدينة حماة يجري في خانق صخري عميق حتى مدينة شيزر ( شمالي شرقي حماة ب 26 كم ) , وهذا جعل ضفاف العاصي عالية سامقة في غالبية مجراه , وكان لابد من حيلة لذلك , فكانت النواعير التي احتالت على نهر العاصي وجعلته طائعا في تقديم مياهه إلى السهول والسهوب والبساتين والأزوار والبيوت , وفي ذلك يقول الشاعر عبد الغني النابلسي : 

                       عصى , فلم يسق أرضا من حدائقهم

                                                 إلا بحيلة وسواس النواعير

   ومن هذا المنطق فإن عدد النواعير قبل مدينة حماة وبعدها يصل إلى ثمان وتسعين ناعورة , لم يبق منها دائرا حتى يومنا هذا سوى سبع نواعير ليس غير , وفي مدينة حماة نفسها ست عشرة ناعورة ما تزال تدور بفضل مجلس مدينة حماة والقائمين على قسم النواعير في هذا المجلس , ولقد تمكن العاملون في قسم النواعير من إرجاع ناعورة قرب جسر بيت الشيخ ( شرقي مطعم السلطان ) لا يعرفها جيلنا والجيلان السابقان لنا فصار عدد نواعير المدينة سبع عشرة ناعورة وهي على التوالي : النواعير الأربع ( البشرية الكبرى _ البشرية الصغرى _ العثمانيتان ) _ الجسرية _ المأمورية _ المؤيدية _ ( وتدعى أيضا الخانقاه والأرامل ) _ العثمانية _ الجعبرية _ الوسطانية _ الصاهونية _ الباز الكيلانية _ الخضر _ الدوالك _ الدهشة _ المحمدية _ القاق

ولعل من الجدير ذكره أن هناك ناعورتين أخريين من نواعير مدينة حماة ماتزلان مندثرتين , والاثنتان في موقع باب النهر وما بعده , الأولى تقع قرب طاحون العونية ( غربي ثانوية أبي الفداء ) وبقايا برجها الحجري مائها ما تزال واضحة للعيان , والثانية في سفح البرناوي ( البرماوي ) ولقد أضحى برجها تحت الطريق الترابي المار في المنطقة باتجاه بلدتي كازو والظاهرية _ أي إلى يسار نهر العاصي وذلك بسب تحول النهر إلى الضفة اليمنى وانحساره عن اليسرى على مدى الأيام _ , وتدعى الناعورة الأولى العونية , والناعورة الثانية ناعورة البركة , ونحن على يقين بأن قسم النواعير في مجلس مدينة حماة سيعيدها إلى الحياة مثلما أعاد غيرها , وما ذلك على الله , ثم على الغيرة والمروءة والشهامة , بعزيز..

سؤال أخير ومهم :

ويعترضا سؤال أخير ومهم عن مبعث تسميات النواعير , فهذه ناعورة البشرية , وتلك ناعورة المأمورية , وهذه ناعورة الجسرية , وتلك ناعورة الباز الكيلانية , وهذه ناعورة الجعبرية وتلك ناعورة الدوالك ...

ونجيب بان النواعير تسمى باسم المنطقة التي تسقيها , أو شخصية تراثية إلى جوارها , فالبشرية دعيت هكذا بسبب وجود ضريح الشيخ بشر , والمأمورية كان اسمها الناعورة الكبيرة , ولكن العثمانيين خصصوا لها موظفا خاصا ( مأمورا ) للإشراف على ترميمها وأوقافها والمستفيدين منها وطرق تحصيل الأموال الناجمة عن السقاية والترميم معا فسميت المأمورية , والجسرية لوقوعها على جوار جسر المراكب , والباز الكيلانية لوقوعها بجانب زاوية عبد القادر الكيلاني , والجعبرية لسقايتها حي الجعابرة في حماة بشك خاص , والدوالك لسقايتها بستان الدوالك الشهير بتينه الرائع ... وهكذا .

    وبعد ..

إن النواعير أوابد قديمة وجديدة في آن واحد , وبما أنها تعمل ليلا ونهارا بلا كلل ولا ملل , فإنها تحتاج باستمرار إلى الترميم الجزئي لأخشابها التالفة كل عام , وأحيانا إلى الترميم شبه الكلي كل ثلاثة أعوام , ولذا فهي تدور وتدور وتغني وتسقي وتبعث الحياة في من حولها وما حولها , وتزين اللوحات الطبيعية بمشهد فني فريد وطريف ونادر في العالم كله , حتى باتت النواعير علما على مدينة حماة , ويكفي ظهورها في صورة أو لوحة أو مشهد حتى يقول المشاهدون : نواعير حماة ولا عجب إذا دعيت المدينة تبعا لذلك بمدينة النواعير .حقيقة أن هناك نواعير فيها فخارية عوضا عن الصناديق الخشبية , و نواعير أكثر أجزائها من الحديد , وهي ما تزال تدور في إسبانيا والبرتغال واليونان والصين والمغرب ومصر .. ولكنها _ على حد قول جان هيرو في كتابه : سورية اليوم _ لايمكن أن تضاهي أبدا نواعير حماة ’ فأصغر ناعورة في مدينة النواعير قطرها ثمانية أمتار , في حين يتعدى قطرا أكبرها واحدا وعشرين مترا , وليس حجمها الكبير هو السبب الذي يدعو إلى الدهشة والاستغراب ولا صلابتها , ولا الشكل المعقد لهيكلها .. لأن الجمال الريفي البسيط لهذه الآلات هو الساحر , ناهيك أن السحر الحقيقي في نواعير حماة يتجسد في ذلك الطابع اللازمني لقوتها العمياء , فهي تبدو وكأنها تخلط مياه نهر العاصي , في حين أن العاصي هو الذي يحركها نهارا بعد نهار , وليلة بعد ليلة من دون تردد ولا توقف , ثم إن صوتها _ وهو مزيج من أنين وغناء شلالات _ كالنهر الدائم التجدد يبدو كأنه آت من أعماق ٍالأزمنة السحيقة ..السحيقة , وهو ابدا يتعالى مناديا :

                انزل حماة التي ما مثلها بلد                    بكل دان من الأهلين أو قاص

              

                        ترق قلبا لأحوال الغريب بها            حتى نواعيرها تبكي على العاصي 

  

 

 

 

 مجلة الفيصل السعودية

رقم العدد :237

التاريخ:ربيع الأول 1417هـ _ يوليو/ أغسطس1996م

صدر عن منشورات وزارة الثقافة
 كتاب نواعير العاصي 
ترجمه وعلق بحواشيه الأستاذ الكبير عبد الرزاق الأصفر