حماةُ مدينة العاصي والنواعير

قالوا : حماة , فقلت : فجر مشرق والكوثر الرًّقراق فيها يغدق
الصفحة الرئيسية
ترجمه مفصلة عن وليد
حماة و وليد
صور
حماه عبر التاريخ
الشعر الفصيح
التكريم والتأبين
بحث د الدغيم
مقالات بصراحة
معلم الأجيال
أغاني شعبية
بعض الشهادات
أبو الفداء صاحب حماه
مقالات في مجلات
مقالات في مجلات 2
مقالات في مجلات 3
مقالات في مجلات 4
آثاره المطبوعة
رمضان في الذاكرة
خواطر صحفية
صور العاصي والنواعير
صور العاصي والنواعير 2
مقالات مسافر على الورق
البرامج المصورة
الأستاذ لمباركية نوار
مشاعر الأصدقاء
دفتر الزوار
للإتصال بنا
تتوالى انتصارات الإسكندر المقدوني , ويمكن له في الأرض , ويقيض له اجتياح الإمبراطورية الفارسية بعد هزيمة دارا الثالث ( داريوس ) ملك الفرس في معركة إيسوس عام ( 333 ) ق . م .

ويرغب القائد الكبير إلى قواده المتميزين أن يتزوجوا بأميرات فارسيات , ويضع ذاته في المقدمة حين يتزوج الأميرة رو كسانا ( ابنة دارا نفسه ) ,وكأنه في هذا يدعم مبدأه الذي الحسناء أبامي البختيارية , من نصيب القائد الفذ سلوقوس نيكاتور .. أو الظافر , وتمت حفلات الزواج هذه في أعراس سوزا ( سوسة ) الذائعة الصيت عام ( 324 ) ق . م .

ويموت الإسكندر في ريعان شبابه من غير وريث , دون أن يحقق حلمه , ويقتسم قواده الكبار مملكته الشاسعة الواسعة , فكان آنتيفونوس في مقدونيا وآسيا الصغرى الشمالية , وبطليموس في مصر وفلسطين , وسلوقوس نيكاتور في سورية و آسيا الصغرى الوسطى والعراق وإيران .

ويشرع نيكاتور في بناء مملكته وعمرانها .. فكان أن عمد إلى إنشاء ( 59 ) مدينة في رحابها , منها خمس مدن باسم أفامية على اسم زوجه , ثم بنى ابنهما أنطيوخوس الأول مدينة سادسة (1) , ويؤكد المؤرخون والباحثون القدماء بأن هذه المدن الست جميعا كانت مثالا في الكمال والروعة والإتقان , على أن أفامية العاصي كانت أكثرها لمعانا وإشراقا , إذ نافست أنطاكية والسويدية واللاذقية .. وهي أكبر مدن المملكة السلوقية وأعظمها , في الازدهار والشهرة والروعة .. وها نحن أولاء معا في جولة عامة وشاملة في أرجاء أفامية العاصي وتاريخها وأوابدها الأثرية وأطلالها المتشامخة وقلعتها السامقة وسهلها العظيم ..من خلال هذه الرحلة الجديدة من رحلات مجلة " الفيصل " في آفاق " مدينة وتاريخ " .

جغرافيتها :

تقع أطلال مدينة أفامية الأثرية في الشمال الغربي من سورية على بعد ( 56 ) كم عن مدينة حماة , و (97 ) كم عن مدينة اللاذقية , و ( 24 ) كم عن بلدة خان شيخون , و( 7 ) كم عن بلدة السقيلبية ..

وتتوضع على الهضاب الشرقية التي تقع نحو مائة متر عن سهل الغاب , وتمتد على مساحة ( 250 ) هكتارا من الأرض المنبسطة مدعومة من الشمال بجبل شحشبو , وهو امتداد لجبل الزاوية , وعند حافة الهضبة الشرقية يبرز منها نتوء صخري يشكل أساس الحصن أو القلعة التي كانت أكربول أفامية , وتحولت من بعد إلى قرية صغيرة تختبئ ضمن أسوارها الإسلامية , وتعرف اليوم بقلعة المضيق , وتبعد عن الأطلال حوالي ( 1 ) كم .

ولقد بنيت أفامية في العهد السلوقي ( نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ) وفق أفضل الشروط المطلوبة في ذلك العهد لبناء المدن , وتمتعت بموقع استراتيجي هام للجيوش والقوافل معا , وكانت تتصل ببقية المدن الكبرى بطرق واسعة مرصوفة ما تزال بقاياها موجودة حتى الآن .. وفي يومنا هذا يمكن الوصول إلى الأطلال عن طريق مسالك خمسة :

1_ حماة _ السقيلبية _ قلعة المضيق _ الأطلال .

2_ حماة أو حلب _ خان شيخون _ كفرنبودة _ الأطلال .

3_ اللاذقية _ جسر الشغور _ قلعة المضيق _ الأطلال .

4_ اللاذقية _ الصلنفة _ جورين _ عبد الطاقة _ قلعة المضيق _ الأطلال .

5_ مصياف _ السقيلبية _ قلعة المضيق _ الأطلال .

ومن الجدير بالذكر أن عدد سكان أفامية قديما قد أربى على نصف المليون , في حين أن سكان حصن أفامية ( قلعة المضيق ) مع نهاية عام ( 1401هـ _ 1981 م ) قد اقترب من ( 8000) نسمة .

قدمها .. ونشأتها :

إن مدينة أفامية أو ( فامية ) مدينة معروفة في مؤلفات كثير من الجغرافيين والرحالة من لاتين و إغريق , فهي مغرقة في القدم , ويؤكد ذلك المؤرخون العرب حتى وصل الأمر بياقوت الحموي في سفره " معجم البلدان " إلى نقل هذه الكلمات : ( وذكر قوم أن الأصل في فامية ثانية , وذاك أنها ثاني مدينة بنيت في الأرض بعد الطوفان ..) .

ولقد أظهرت الحفريات أن المنطقة كانت مأهولة منذ عصور ما قبل التاريخ , فقد وجدت مخلفات بشرية ترقى إلى العصر الحجري الوسيط وما بعده تتوضع على الأكربول ( قلعة المضيق ) والسفح الشمالي للأخدود المواجه ( المضيق ) , بالإضافة إلى انتشار زراعي أصيل يرقى إلى العصر الحجري دلت عليه المكاشط والأزاميل والمناجل التي أظهرتها الأسبار المتتابعة إلى النور , ثم هناك مستوطن ذو طبقات متعاقبة يرقى إلى العصر البرونزي ( 2500 ق . م ) أظهرته حفريات أجريت من قبل بعثة سورية برئاسة الباحث عبد الرزاق زقزوق عام ( 1390هـ _ 1970 م ) في أرضية القلعة إذ كشفت عن لقى فخارية عديدة ومدافن غنية ...ومن المرجح

أن نعيا ( نيجا ) التي ورد ذكرها في رقم تل العمارنة والنصوص الحثية والأكادية وغيرها منذ الألف الثاني قبل الميلاد كانت في موقع أفامية نفسها .

ونجد أن كثيرا من الباحثين والدارسين وفي مقدمتهم الجغرافي اليوناني استرابون ( 25 ) ق . م , يرى أن أفامية تكونت على يد الملك سلوقوس نيكاتور في موقع قرية صغيرة وذلك في عام ( 301 _ 299 ) ق . م , ومن ثم اتسعت وتطورت واتخذت من التل المجاور لها حصنا لها , وكان لها الشأن الخطير من بعد .

أسماؤها :        

إن أقدم اسم وصلنا لموقع أفامية هو _ على الأرجح _ نعيا ( نيجا ) , وذلك في الألف الثاني قبل الميلاد , ومن ثم حمل الموقع اسم فارناكة في مستهل الألف الأول قبل الميلاد , أعجبوا بالمكان فسكنوه واستوطنوه وأطلقوا عليه اسم " بيلا" وبعد الوفاة الإسكندر تبدل الاسم إلى كرسو نسوس , وحين استلم نيكاتور ملك المنطقة

, أمر بعمارة الموقع وأطلق عليه اسم " أبامي " , وكانت تدعى اختصارا " فامي " , كما دعيت باسم " أفامية كلوديا " في مستهل القرن الأول الميلادي خلال فترة حكم الإمبراطور الروماني كلوديوس , وباسم أنتونينو بوليس زمن الإمبراطور كارا كالا في مقطع الثالث الميلادي .

أما العرب فقد أطلقوا عليها اسمين اثنين هما : فامية وأفامية , وقد حمل لنا الشعر العربي هذين الاسمين معا , وهذا أحد شعراء معرة النعمان يذكر الاسم ( فامية ) من دون همز عام ( 290هـ 903 م ) حين سخر من هروب حاكمها أبي الحجر المؤمل بن المصبح الذي ألق نفسه في بحيرتها :

                  جازت هزيمته أنهار فامية

                                     إلى البحيرة حتى غط في ماها                    

     وأورد ياقوت الحموي في المشترك أبياتا عذبة للشاعر عيسى بن سعدان الحلبي ( القرن السابع الهجري _ الثالث عشر الميلادي ) يعرج فيها على ذكر أفامية من دون همز حيث يقول :

                     ليت العواصم من شرقي فامية

                                         أهدت إلي نسيم البان والغرب 

وهذا أبو العلاء المعري يذكرها بالهمز حين امتدح الشريف أبا إبراهيم الذي أنقذ أفامية من الروم .. فيقول :

                          ولولاك لم يسلم أفامية الردى

                                     وقد أبصرت من مثلها مصرع الردي

وأما حصنها ( قلعتها _ أكربولها ) فقد حمل الاسمين نفسيهما ( فامية _ أفامية ) بعد احتراق المدينة وزلزلتها وخراجها _ كما سيأتي من بعد _ وبقي على ذلك إلى مطالع القرن الحادي عشر الهجري ( السابع عشر الميلادي ) حين تبدل إلى اسم قلعة المضيق الذي استمد من الأخدود الضيق الذي يقع شماليه , وما يزال حتى يومنا يحمل هذا الاسم

أفامية عبر التاريخ :

عثر خلال حفريات أعوام ( 1349 هـ _ 1930 م ) ( 1357 هـ ـ 1938 م ) على رقيم حشي _ وهو موجود الآن في متحف حلب _ أعطى صورة سريعة عن تاريخ المدينة القديمة , وأظهر أنها عرفت نشاطا واسعا منذ العصر الحجري الأوسط  الباليوليتيكي ) , وكذلك برهنت الحفريات الجديدة على وجود معمل كبير لقطع الحجارة على الطرف الغربي للسور , وفي العصر الحجري الحديث ( النيوليتيكي )

 

كان أكربول المدينة والسفح الشمالي مأهولين بجماعات زراعية بدليل ما عثر عليه من الأدوات الزراعية العديدة , وفي العصر البرونزي ( الكالكوليتيكي ) , ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد ظهرت أشكال متوالية من البرونز القديم والمتوسط وقبور غنية , مما أكد أن هذا الموقع بقي مأهولا ومعمورا على مدى هذه العصور جميعا .

وقد جاءت الوثائق الفخارية الملونة ( السيراميك ) المكتشفة عام ( 1390هـ _ 1970 م) لتؤكد اتحاد هذا الموقع بمكان نعيا ( نيجا ) التي عرفت خلال القرون التالية ولا سيما من القرن السادس عشر قبل الميلاد , وكان لها دور في حملات الفراعنة المصريين على سورية الشمالية وبخاصة تحوتمس الأول والثاني وأمينوفيس الثاني حتى ظهور مرحلة تهديدات الحثيين وهجماتهم المتوالية على المنطقة .

وتحت اسم فارناكه أسهم الموقع في مصير الإمبراطورية الفارسية , وقبع سكانها في الحصن ( الأكربول ) خاضعين للامتداد الهيليني في وقت مبكر .

وبعد معركة إيسوس عام ( 333 ) ق . م , التي أسفرت عن انتصار الإسكندر المقدوني .. زود الموقع بحامية من الجنود المقدونيين الذين أطلقوا على الموقع اسم بيلا تذكارا لمدينتهم في اليونان .

ويموت الإسكندر , وتتأسس الدولة السلوقية عام ( 312 ) ق . م , ويسير مؤسسها سلوقوس الأول نيكاتور على خطة الإسكندر في تشييد المدن , فيبني ( 59) مدينة في أرجاء إمبراطوريته يدعو بعضها باسمه مثل سلوقية ( السويدية ) ,أو باسم أبيه أنطيوخوس ( أنطاكية ) , أو باسم أمه لاوديسا ( اللاذقية ) , أو باسم زوجه الأميرة الفارسية أبامي ( أفامية ) .. وكان همه أن يضفي على المدن الآسيوية الضفة الإغريقية , ولهذا خصها جميعا بعناية فائقة , وكانت أفامية من أبرز هذه المدن , إذ جدد عمرانها في أعوام ( 301 _ 299 ) ق . م , وأحاطها بسور عظيم , وجعل منها ثكنة عسكرية هامة للدولة كلها , يتجمع فيها المرتزقة الذين يؤجرون خدماتهم في الحروب , ويفد إليها المجندون المحدثون لاستلام أسلحتهم والقيام بتمريناتهم , وكانت _ إلى هذا الموقع _ الموقع العسكري القيادي المجهز بالعدة والعدد ومعامل الصناعات الحربية ومستودعات الذخيرة , وآلات الحرب و اصطبلات الخيول الملكية الواسعة .. وجمع فيها _ حسب رواية استرابون _

(300 ) جاموس , و ( 300 ) من كرام الخيول , و ( 500 ) من فيلة الهند الهائلة التي تشكل قوة هجومية تحطيمية لا تباريها فيها أفيال الأعداء الإفريقية الصغيرة الحجم , وغير المدربة على فنون القتال , و ( 20000 ) من الجياد المستعملة في حروب تلك العهود .. فكانت من ذلك جميعه الحصن المنيع و المركز العسكري الهام والقاعدة الرئيسة للعمليات السلوقية الهامة في الهجوم والدفاع والانسحاب .

وكان لأفامية وجه آخر , فهي مكان من الأرض تصلح الإقامة فيه وتطيب , وكانت مع ضواحيها تعج بالمنشآت العامة من معابد وملاه وقصور كثيرة , وقد خصصت بحيرة صغيرة عند منتصف الطريق بين التحصينات والنهر وفي وسط الخضرة لمن يقصد النزهة في ضواحي المدينة , وكان إلى جانب البحيرة معبد يكرم فيه أحد آلهة المياه , ويتمتع قاصدوه بروعة المناظر الطبيعية وسحرها هناك .

وظلت أفامية في عهد خلفاء نيكاتور السلوقيين تزهو بعظمها وريفها ووفرة سكانها وبذخهم وترفهم , حتى غدت تحسب الثانية بين مدن سورية الشمالية بعد العاصمة أنطاكية , وكانت تشاطرها كل بؤس ونعمى و لاسيما أن المسافة بينهما جد قريبة عبر الرصيف الباقية آثاره حتى يومنا هذا .. ففي عام ( 285 ) ق . م , كانت أفامية مقر إقامة ديمتريوس بوليورست أسير نيكاتور العنيف حتى موته في عام ( 283 ) ق . م , ونعمت بالهدوء والسعادة في زمن الإمبراطور أنطيوخوس الثالث الملقب بالكبير ( 213_ 186 ) ق . م , الذي بسط سلطانه على ولايته الشرقية التي كانت شقت عصا الطاعة , ثم استعد لاستخلاص مصر من أيدي البطالسة , ففتح في طريقة سورية المتوسطة والجنوبية , لكن الرومانيين ظهروا في تلك الحقبة , بعد أن استفز غضبهم , فشغلوه واضطروه بعد معركة ماغنيسيا ( غربي الأناضول ) إلى أن يتخلى لهم عن سفنه الحربية و أفياله وممتلكاته شمالي طوروس وغربيها ... وذلك في معاهدة أفامية عام ( 188 ) ق . م .

وأتى بعد أنطيوخوس الكبير عدد من الملوك أبرزهم أنطيوخوس الرابع أبيفانوس ( 175 _ 163 ) ق . م , الذي حاول القضاء على اليهودية وصبغ مناطقها بالصبغة الهيلينية مما أدى إلى ثورة اليهود بزعامة المكابين ( إحدى الأسر اليهودية البارزة ) ... وهناك أنطيوخوس السادس الذي اعتلى العرش عام ( 145 ) ق . م , وتم تتويجه في أفامية , وإلى أفامية نفسها التجأ قاتله تريفون دييودوت واستمر لاجئا فيها حاصره الملك أنطيوخوس السابع وقتله في ميدانها العام سنة ( 137 ) ق . م .

وفي أواخر العهد السلوقي تمكن ديكران الأرمني من الأستيلاء على جزء من سورية , ومنح أفامية امتيازات نقدية , كما منحها حق الهيكل , أي حق الملاذ .

أفامية في العهد الروماني :

وتتابعت الفتن والكوارث في أنحاء البلاد فابتلع الفرس جزء الملكة الواقع شرقي الفرات , وعمت الفوضى الجزء الذي بقي في يد السلوقيين , وكثر الخلاف بين الملوك والقواد , وتوالى الحريق في أنطاكية وأفامية وهياكلهما .. وتمكن سيسيلسوس باسوس من احتلال أفامية , ثم خضع بدوره لحصار طويل فرضه عليه أنتيستيوس فيقوس , إلى أن كان عام ( 64 ) ق . م , حين استطاع القائد الروماني بومبي الأكبر ( بومبايوس ) أن ينتهي حكم السلوقيين ياستيلائه على سورية وتسميتها إقليما رومانيا .. ولقد دخل مدينة أفامية , وأمر بهدم قلعتها .. ولكنه قام من بعد بجعل أنطاكية قاعدة ولاية سورية الأولى , وأفامية قاعدة ولاية سورية الثانية وأسماها ( سورية الطيبة ) , ومنبج قاعدة ولاية سورية الثالثة أو الفراتية .. وكانت حدود ولاية أفامية تنحدر إلى جوار حمص , ويلحق بها أبيفانيا

( حماة ) ومريمين , وأرثيوزا ( الرستن ) ورافانية ( بعرين ) ..وغيرها .

من هذا المنطق احتفظت أفامية في العهد الروماني بأهميتها الإدارية والاستراتيجية , وكانت موطنا لموجات مختلفة من الشعوب شأنها في ذلك شأن جارتها أنطاكية , ولكنها _ كما يبدو _ كانت أكثر محافظة على شخصيتها .

وتمنحنا سطور التاريخ أن أفامية كانت ملاذا لديسيليوس ساكسا ضد لابينيوس بين عامي ( 41 _ 40 ) ق. م , ومن ثم منحها الإمبراطور الروماني أنطوني ( أنطونينوس ) الاستقلال الذاتي مكافأة لها على مقاومتها الفرس ( البارثيين ) , ووضع تنظيم الدفاع عن حدودها مباشرة تحت تصرف الإمبراطور الروماني ,

وظلت محتفظة بسك نقودها حتى عام ( 15 ) م , حينما أوقف هذا الحق باستثناء فترات قليلة في زمن الإمبراطور كلوديوس ( 41 _ 54 ) م , الذي أعطى المدينة _ كما ذكرنا _ اسم أفامية كلوديا .

ولنا أن نشير إلى أن أباطرة الرومان عنوا بأفامية عناية فائقة بحكم وجود سهل الغاب ( مرج أفامية ) إلى جوارها .. ذلك السهل الذي كان يدر محاصيله الوفيرة عليها , وترتعي فيه الخيول والأفيال الخاصة بجيوشهم , فرمموا ما كان انتقض من عمرانها السلوقي , وزينوها بكثير من الدور والقصور والهياكل حينما كانوا وثنيين , وبعدد من الكنائس الكبرى حينما صاروا نصارى , كما زينوها بالشوارع والحمامات والمسارح والمدارج وقنوات الري حتى صارت من أعمر المدن وأزهاها , ونعم سكانها بحياة زاهية فارهة بعد أن زاد عددهم وربا حتى تجاوز نصف المليون من الناس .. كما يدلنا على ذلك إحصاء كيرينيوس في عام ( 6 ) م , الذي اكتشف خلال الحفريات .

وكما كان العصر الروماني غاصا بالبناء والاتساع والأفراح والمسرات , فقد كان هدفا للكوارث والأتراح والنكبات , إذ توالت حروب الفرس واجتياحاتهم المدمرة

 كما توالت المؤامرات و الانقلابات الداخلية وعصيان الجنود ووثباتهم , والمنافسات والمناحرات الدينية بين أنصار الوثنية والنصرانية , ثم بين أرباب المذاهب النصرانية نفسها , بالإضافة إلى المجاعات والأوبئة والحرائق ... وكان نصيب أفامية من ذلك جميعه وافرا .

ولعل الصراع مع الفرس كان في  المقدمة , فالفرس _ على حد قول الباحث أحمد وصفي ذكريا _ أعداء ألداء لليونان ثم لخلفائهم الرومان , وقد ظل الفريقان يتصارعان ويتعاركان خلال عهود الأكاسرة والقياصرة كلها , وعلى مدى اثني عشر قرنا ( من القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد ) , وتمدنا صفحات التاريخ بعشرات من أسماء المعارك الكبيرة التي وقعت بين الطرفين منذ عهد قورش الثاني الكبير الفارسي ( 588 _ 528 ) ق . م , وكم من مرة اجتاحت الجيوش كل ما في طريقها حتى وصلت إلى عاصمة عدوها , كما حدث في عام ( 480 ) ق . م , حيث تمكنت الجيوش الفارسية بمعونة الفينيقيين والقرطاجيين من احتلال أثينا وما حولها , وفي عام ( 333 ) ق . م , حين استطاع الإسكندر المقدوني إنهاء حكم الفرس لمدة سبعين عاما بعد انتصاره الساحق في معركتي إيسوس و كوكميلة , واحتلال بلادهم بكاملها .

.

وفي العصر الروماني يهمنا أن نذكر عام 242 م , الذي تمكن فيه الإمبراطور الروماني جورديان من هزيمة الملك سابور الأول الفارسي , ولكن الأخير لم يسكت على الهزيمة , وشرع في تجهيز نفسه جيدا حتى تمكن من جعل الإمبراطور فيليب يعقد صلحا معه في عام 247 م , ثم ما لبث أن قام بهجوم كاسح في عام 256 م , واجتاح في طريقه كل المدن التي صادفته حتى وصل أفامية فاستباحها ونهبها فكانت إحدى المدن السبع والثلاثين التي استولى عليها الفرس , والتي وردت في نص مكتوب يدعى ( نقش رستم ) .

أفامية في العهد البيزنطي :

ليس ثمة فرق بين العهد الروماني والبيزنطي بالنسبة لأفامية , فهما متداخلان ومتتابعان .. على أن بداية العهد البيزنطي كانت _ والحق يقال _ معطاء ومصدر هناءة وسعادة لأنطاكية وأفامية معا , إذ نعمتا بالسكينة والطمأنينة مدة أربت على مائة وأربعين عاما إلى أن داهمتهما نكبتان عظيمتان لم يكن لهما قبل في ردهما .. الأولى : غارات الفرس العنيفة .. والثانية : الزلازل الأرضية الفظيعة .

فمنذ عام ( 502 ) م , عادت الحروب الفارسية إلى عنفها , وبلغت حدا بالغا في عام ( 540 ) م , حين انطلق كسرى أنو شروان إلى سورية واستولى على الفرات

ومنبج , ثم نهض إلى أنطاكية وشدد عليها الحصار , واهتدى إلى ثغره في السور , فدخل منها , وسيطر على أنطاكية , وأباحها للنهب والحريق , ثم انحدر إلى سلوقية , ومنها إلى أفامية , فدخلها , وسلب كنيستها , ونهب الدور والمباتي , وعاد بألوف الأسرى إلى عاصمته طيسفون ودخل قصره ( طاق كسرى ) مكللا بالظفر والنشوة معا , ورغب إلى نحات فنان أن يخلد هذا الانتصار الكبير .. فعمد إلى نحت لوحة رائعة ناطقة على أحد جدران الطاق تمثل مشاهد من معركة أنطاكية .. وهي _ أي اللوحة _ التي أوحت للشاعر العربي البحتري لقطات تصويرية نثرها في سينيته الشهيرة , وتعتبر من أجمل لقطاته وأبدعها .

وبقيت أنطاكية وأفامية وأخواتهما في يد الفرس مدة أربع سنوات , ثم عادتا إلى البيزنطيين , وكان لحصانه قلعة أفامية _ كما يرى المؤرخون _ دور كبير في هزيمة

الفرس من المنطقة .. ثم كانت الهدنة بين البيزنطيين والفرس والتي تأكدت بشكل دائم في عام ( 562) م .

بيد أن الحرب ما لبثت أن عادت إلى الظهور بين أعوام ( 572 _ 591 ) م , ثم كانت الهدنة بين البيزنطيين والفرس والتي تأكدت بشكل دائم في عام ( 562) م .

بيد أن الحرب ما لبثت أن عادت إلى الظهور بين أعوام ( 572 _ 591 ) م , إذ وصلت الجيوش الفارسية في عام ( 572 ) م , إلى أفامية بعد تدميرها مدن منبج والأندرين وقنسرين وغيرها , وخرج سكان أفامية متشحين بالبياض لمقابلة القائد الفارسي كما فعلوا في غزوة عام ( 540 ) م , لكنه احتل بوابات المدينة , وقيد الرجال والنساء بالسلاسل , ثم سلب تلك المدينة الغنية , وأشعل فيها النار , وأرسل إلى فارس حوالي ( 292) ألف أسير من أهلها , بعد أن قتل عشرات الألوف , وخلفها تئن من الجراح النازفة والحرائق الجائحة والغصات الخانقة .

ولم يقف الخراب والدمار عند هذا الحد , إذ إنه في عام ( 612) م , وفي غضون حروب الأعوام ( 610 _ 628 ) م , تمكن كسرى أبرويز الثاني خلال حملته على أنطاكية من احتلال أفامية وتخريبها رأسا على عقب , وأحرز الإتنصار الساحق الكبير

وكانت الزلازل الأرضية قبل ذلك وبعده ضغثا على إبالة , فقد توالت على أفامية خلال أعوام ( 526 _ 528 _ 543 _ 551 _ 551 _ 577 _ 589 _ 599 ... ) ونالت منها كل النيل ولاسيما زلزال عام ( 589 ) م الذي كان أعظم الزلازل وأفظعها , إذ دمر مدن بيروت وبعلبك واللاذقية ومنبج وأنطاكية وغيرها من  مدن سورية ولبنان واهلك مئات الألوف من سكانها , و كانت أفامية واحدة من أكثر هذه المدن تقويضا وهدما ودمارا حيث غدت قاعا صفصفا وأطلالا وبقايا بعد أن كانت فاتنة الزمان وحسناءه .

ولم يرتفع لمدينة أفامية شأن بعد الزلازل المدمرة واجتياح الفرس التي أتت على منشآتها كافة باستثناء بيوت معدودة متناثرة هنا وهناك خاصة في الجهة الشرقية , مع بعض ملاجئ رديئة بقيت تحوي بضع مئات من الناس كانت مرتبطة بطريق المصادفة بين

جوانب السور والأعمدة المطروحة أرضا .. ولم يبق سليما منها سوى حصن أفامية ( القلعة _ الأكربول ) الذي مبنيا في غربيها على تل متماسك شاهق , فالتجأ إليه ماتبقى من السكان وهم بحدود الألفين فقط , في حين كان عددهم في عام ( 570 ) م , ينوف على نصف المليون من الناس حين زارها السائح الإيطالي دوبليرانس ووصفها في رحلته , وقال عنها : " إنها مدينة زاهرة .." .

واستطاعت بعض المدن السورية _ ما خلا أفامية _ العودة إلى الحياة في ظل البؤس والشقاء اللذين استمر ضاربين أطنابهما في طول البلاد وعرضها , في حين كان تذمر السوريين يتعالى من تمادي المنازعات الدينية , ومن فساد الحكام البيزنطيين , وتوالي الكر والفر بينهم وبين الفرس إلى أن خفقت أعلام المسلمين في هذه الآفاق جميعا .

أفامية في ظلال الإسلام :

وكان انتصار العرب المسلمين المبين في معركة اليرموك الشهيرة بعد ظفرهم في معركة أجناد ين وانهزم الروم البيزنطيون أمام جحافل الإيمان كأعدائهم الفرس , وشرعت المدن السورية تفتح ذراعيها لاستقبالهم بدءً من دمشق وحتى أنطاكية , فقد سار الصحابي الجليل أبو عبيدة عامر بن الجراح في عام ( 17 هـ _ 638 ) ( 2 ) , بعد

افتتاح شيزر إلى أفامية فتلقاه أهلها بالصلح _ كما يقول البلاذري _ فصالحهم على الجزية والخراج .. ولقد وجد المسلمون المدينة خرابا يبابا , فاكتفوا بقلعتها , ولم يعمروا المدينة , وهم إذا ذكروا اسمها عنوا هذه القلعة والقرية المبنية داخلها .

ويؤكد اليعقوبي في كتاب " البلدان " أن قوما من قبيلتي عذراء وبهراء سكنوا أفامية وامتزجوا بأهلها , ويرى بعض المؤرخين أنها ضمت ومت حولها إلى أعمال جند حمص .

وفي عهد يزيد بن معاوية الأموي جعلت مع قنسرين ومنبج و أنطاكية جندا , وفصلت عن حمص , ومع مطالع العصر العباسي أضحت من العواصم .. ومنذ القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) طفقت تتنقل بين أيدي العباسين والإخشيديين والحمدانيين والفاطميين .. بالإضافة إلى احتلال الروم البيزنطيين لها مرات ومرات .. وملك الشيزريين لها فترة من الزمن .

 

أفامية والصليبيون :

ومع عام ( 488 هـ _ 1095 م ) , بدأت أولى جحافل الصليبيين متمثلة في الحملة الصليبية الشعبية تتدفق على الشرق العربي , وبعد مرور عام كانت الحملة الصليبية الأولى , والتي تمكن أحد قوادها بوهيموند الأول من تأسيس إمارة صليبية في أنطاكية عام ( 492 هـ _ 1098 م ) , وكان من الطبيعي أن تجتذب قلعة أفامية مزيدا من اهتمامه , فقام بمهاجمتها وقاتل أهلها أياما وأفسد زرعها , ثم رحل عنها إلى حلب ومرعش .. ثم عاد خلفه تانكريد إلى احتلالها ثانية عام ( 499ه هـ _ 1106 م ) , وملكها , واستقر فيها وجعلها من أولى المعاقل الأمامية لإمارة أنطاكية وأبرزها , وطفق يناوش منها مسلمي شيزر وحماة , ويناوشه هؤلاء .

وفي عام ( 505هـ 1111م ) , جهز السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي جيشا لقتال الفرنجة في الشام وتمكن مناوشتهم قرب أفامية , والعودة إلى شيزر بغنائم وأسرى .. وبعد أربع سنين حاول ثانية , وحاصر أفامية , ولم يستطع فتحها , فعاد جيشه إلى معرة النعمان بعد أن أيقن بعدم جدوى الحصار .

وبقيت أفامية وماحولها في يد الإفرنج الصليبين حتى كان عام ( 544 هـ _ 1149 م ) وفيه سار نور الدين محمود بن زنكي إلى حصن أفامية واستخلصه من

الصليبين , وملكه _ كما يقول ابن الأثير _ وحصنه بالرجال والذخائر , وكان الإفرنج في الشام جميعها قد اجتمعوا ليرحلوه عنه , فلم يصلوا إلا وقد ملكه , وبذلك عادت أفامية إلى الحكم العربي الإسلامي , ولم تعد إلى الفرنجة من بعد .

ومن الغريب أن الزلازل عادت إلى المنطقة من جديد , ففي عام ( 551 هـ _ 1156 م ) , انهدم برج من بروج الحصن بسبب زلزال قوي , ولكن الكارثة المروعة كانت في العام التالي حين زلزلت الأرض في غربي سورية وخربت أكثر المدن , وأكملت هدم المدينة القديمة القائمة على الهضبة ..

وانسحب من تبقى من السكان الذين كانوا في زوايا المدينة المدمرة بشكل نهائي إلى القلعة , وسكنوها .. ولم تقم لمدينة أفامية بعد هذه الحادثة أية قائمة , ودخلت في

سجل النسيان و الإهمال , وأما الحصن فقد تهدمت أبراجه وأقسام من سوره , فقام نور الدين بترميمه وكان ذلك في عام ( 553 هـ _ 1158 م ) .

أفامية والأيوبيون :

وفي عام ( 584 هـ _ 1188 م )دخلت أفامية في ملك السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي دخل أنطاكية صلحا في العام نفسه , ولم يهدأ بال المسلمين في حصن أفامية إلا بعد أن سقطت قلعة برزويه التي كانت بيد الصليبين و وصار سهل الغاب جميعه قي يد صلاح الدين , وعهد به وببعض المدن المتاخمة إلى المنصور تقي الدين عمر بعد موته .

وإثر وفاة صلاح الدين كانت أفامية بيد عز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم , ثم صارت إلى أخيه شمس الدين عبد الملك بن محمد الذي حاصر الملك الظاهر غازي أفامية في أيامه ولم يتمكن منها في عام ( 597 هـ _ 1201 م) لكنه تسلمها في العام التالي , وقام ببناء البرج الشمالي , وانتهى تشييده في عام ( 602 هـ _ 1205 م) .

وفي عام ( 654 هـ _ 1256 م ) زارها الملك الناصر يوسف صاحب حلب ,

وقام بترميم كثير من  أبراجها , وأقسام من سورها , وعمل على بناء القنطرة الجنوبية ومدخل الحصن بشكل منيع وقوي .

أفامية من بعد :

وبعد زوال دولة الأيوبيين في حلب عام ( 658 هـ _ 1260 م ) انتقلت أفامية كغيرها إلى أيدي السلاطين المماليك , ويغلب على الظن أن جيوش هولاكو التتاري لم تصل إليها , ولم تنل منها .

وفي عام ( 666 هـ _ 1268 م ) جاء الملك الظاهر بيبرس البندقداري إلى قلعة أفامية , وجمع جيوشه فيها , ثم رحف منها عن طريق الغاب الشرقي إلى مدينة أنطاكية , وكانت لما تزل في يد الصليبين , فحاصرها واستولى عليها .

وفي أيام الملك المنصور قلاوون سادس المماليك البحريين ( 689هـ _ 1290 م ) , كانت قلعة أفامية في حوزة الأمير الثائر سنقر الأشقر .

 

وبعد خروج الصليبين من البلاد عام ( 690هـ _ 1291 م) , وزوال الحاجة إلى الدفاع , لم يبق للقلعة مكانة حربية , بل ظلت قرية مزدحمة يعتصم أهلها فيها من هجمات الأعراب و الأشقياء أيام فوضى الأحكام في عهود المماليك والعثمانيين وفي سنوات الانتداب الفرنسي .

ولقد عانت قلعة أفامية ( قلعة المضيق ) _ كما عانت البقاع السورية _ الشيء الكثير من الظلم والتخلف والتقهقر إلى أن كان عام ( 1365 هـ _1946 م ) حين أشرق فجر الاستقلال , وعادت البلاد إلى أبنائها , وسارت أفامية مع شقيقاتها يدا بيد _ من جديد _ لرسم صفحة المجد والحرية والاستقلال .

الرحالة .. والبعثات الأثرية :

أفاض الباحثان ج . بلتي وعبد الرزاق زقزوق في تقصي الرحالة والسياح والأثريين الذين زاروا أفامية , وتحدثوا عنها .. ونجتزئ فنقول : إن السيدين نيبور وبوركهارد كانا من أقر بوجود مدينة أفامية إلى الشرق من قلعة المضيق وذلك في عامي ( 1766 _( 1812 ) .

وكان السيد تومسون في عام ( 1846 م ) أول من تعرف إلى أطلالها بشكل علمي , وتمكن العالمان زاخو , وبتلر عام ( 1880_ 1900م) من وضع أول مخطط

تفصيلة لبعض المباني , في حين وجه العالمان فان برشيم . وفاتيو ( 1895 م  ) اهتمامهما الكلي إلى أسوار القلعة وأبراجها .

وكان للمركز القومي للأبحاث العلمية في بروكسل ( بلجيكا ) الفضل الكبير في هذا المجال , فأرسل البعثة الأولى برئاسة فرديناند مايانس خلال أعوام ( 1930 _ 1938 م) إلى موقع أفامية , فكشفت عن عدد من المباني الهامة , وعثرت على مجموعة من التحف , فضلا عن العديد من اللوحات الفسيفسائية الرائعة .. نقل بعضها إلى بروكسل , وبعضها الآخر إلى متحفي دمشق و حلب .

ثم كانت البعثة الثانية برئاسة هنري لاكوست خلال أعوام ( 1947 _ 1953 م ) , وقد قامت بفتح عدد من المواقع , وشرعت في كتابة الأبحاث العلمية .

 

والرواقان مخصصان لمرور الأهلين المشاة واستظلالهم , وهما مبلطان بالفسيفساء الملونة البديعة التي تمتد أمام مدخل الحوانيت والأبنية العظيمة , ويستند كل رواق على صف من الأعمدة الجسيمة التي يبلغ ارتفاعها مع القاعدة ( 10 ونصف ) م , وقطر كل منها ( 120 ) سم , وعددها على الجانبين ( 1200 ) عمود , ويبعد واحدها عن الآخر ( 3 ) م .

ومن الثابت _ حتى الآن _ أن جمال النقوش على هذه الأعمدة لا يدانيه جمال في أي مكان آخر , فالتيجان الكورانثية والقواعد متشابهة في الشكل , وأما الزخارف فمختلفة , على أن أروعها وأبرزها القنوات الحلزونية التي قسما من الأعمدة من رأسها إلى قدميها والتي يختلف اتجاه دورانها في كل  عمود عن العمود المجاور .

وعلى امتداد هذا الشارع كانت هناك ثلاثة ميادين واسعة وكبيرة ناجمة عن التقاء الشوارع الثانوية مع الشارع الرئيسي , بحيث تتراجع الأعمدة تدريجيا مع الأروقة

لتشكل باحة رحبة , وكان أعظمها وأوسعها الميدان العام بمداخله الجبارة واتساعه الذي يبلغ قطره ( 150) م ويقوم في وسطه نصب تذكاري شامخ ارتفاعه (14 ) م .

وأما تاريخ إنشاء هذا الشارع بأعمدته على اختلاف زخارفها , ورواقية فهو يعود في قسمه الشمالي إلى عامي ( 116 _ 117 ) م , في حين أن بقية الأقسام تعود إلى أعوام ( 138 _ 169 م ) , ولقد غدا هذا الشارع منذ اكتشافه في عام ( 1930 ) م , صورة بارزة عن معمارية أفامية , وهو الذي أعطاها الشهرة العالمية .

*المسرح : يقع المسرح المدرج الذي يرقى بناؤه إلى الفترة الواقعة بين عامي ( 161 _ 168 م ) , في غربي المدينة , على بداية مرتفع صخري مواجه للقلعة ( الأكربول ) , وهو يعتبر من أضخم المسارح الرومانية في العالم , إن لم يكن أضخمها على الإطلاق , إذ إن قطره يبلغ ( 139 ) مترا , ومن هنا قال الهمذاني في مختصر كتاب البلدان حين حديثه عن أفامية إنه " كان فيها ملعب يعد من البناء المذكور في العالم " .

ولقد بقي هذا المسرح الكبير محفوظا حتى القرون الوسطى , لكنه بسب قربه من القلعة تعرض لكثير من التخريب , ونقلت حجارته إليها بعد زلزال عام (552 هـ _ 1157م ) , وإلى الخان الكبير في العهد العثماني .. ولهذا ضاعت معالم كثيرة من هذا المسرح العملاق الذي كان يستوعب عشرات الألوف من المتفرجين أيام الأعياد والاحتفالات .. ومن أبرز سماته الساحة الكبرى الفسيحة ذات الطبقات المتعددة والمحاطة بصف من الأعمدة , والمدرج العظيم الذي شيدت مقاعده من الأحجار الضخمة المنحوتة , والمنصة الواسعة , والأركان المزخرفة التي تمثل مشاهد و أشخاصا تتعلق بعبادة باخوس إله الخمر .

*قصر الحاكم: ويتألف من مجموعة من الغرف تقدر بثمانين غرفة تحيط ببهو متسع يرتكز كل ضلع من أضلاعه على ثمانية أعمدة , وله قاعتان داخليتان أصغر من البهو , وثلاث قاعات رئيسية مخصصة للتشريفات والاستقبال , وفي أرضيته لوحات فسيفسائية ثمينة جدا .. فضلا عن تبليط سجادي هندسي نادر المثال .
تتمة المقالة في صفحة مقالات في مجلات 3