حماةُ مدينة العاصي والنواعير

قالوا : حماة , فقلت : فجر مشرق والكوثر الرًّقراق فيها يغدق
الصفحة الرئيسية
ترجمه مفصلة عن وليد
حماة و وليد
صور
حماه عبر التاريخ
الشعر الفصيح
التكريم والتأبين
بحث د الدغيم
مقالات بصراحة
معلم الأجيال
أغاني شعبية
بعض الشهادات
أبو الفداء صاحب حماه
مقالات في مجلات
مقالات في مجلات 2
مقالات في مجلات 3
مقالات في مجلات 4
آثاره المطبوعة
رمضان في الذاكرة
خواطر صحفية
صور العاصي والنواعير
صور العاصي والنواعير 2
مقالات مسافر على الورق
البرامج المصورة
الأستاذ لمباركية نوار
مشاعر الأصدقاء
دفتر الزوار
للإتصال بنا

 

الشاعر وليد قنباز يودع العاصي ونواعيره
د. راتب سكر
ودعت حَماة في العاشر من آذار 2005، أديبها وليد قنباز بعد سنوات من صراعه مع المرض العضال .
اتسم الحضور الثقافي لوليد قنباز في أسرة الكتاب والمثقفين في بيئته، بسمات إنسانية متألقة مميزة، تفيض سماحة ووداعة، فكان سباقا إلى تزيين أجوائهم الثقافية بالألفة والمودة، نفوراً من كل ما يمكن أن يعلق بأذيالها من منافسات مهنية أو ثقافية صغيرة وعابرة ، سباقا إلى تعطيرها بطيب يؤلف بين القلوب ويؤاخي بين النفوس، مهما تكن قسوة الظروف وحلكة أوقاتها شديدة .
بعد أن تبادل مجموعة من إخوانه الأدباء عبارات العزاء ، جلسوا في جانب من ابلقاعة التي تستقبل المعزين الذين راحوا يلتفتون إلى أولئك الأدباء ، رافعين أيديهم إلى صدورهم هامسين عبارات العزاء ، مما دفع جاري في المقعد إلى سؤالي مستفسرا عن حدود القرابة في هذا المقام ، فوجدتني أجيبه بأبيات من دالية أبي تمام الطائي ، حتى إذا وصلت إلى بيته القائل :
أو يفترقْ نسب يؤلفْ بيننا ------- أدب أقمناه مقام الوالدِ
شعرت أن ذلك الجار يتفهم دلالات الكلمات والإشارات تفهماً طيباً .
"أبو القاسم الشابي قيثارة عزفت أعذب الألحان ورحلت في الربيع" ، ذلك هو عنوان المقالة الأولى التي نشرها وليد قنباز الطالب في المرحلة الثانوية في مجلة "الرائد العربي" ، في خريف عام 1955، وكان حديثه عنها جسراً قرب المسافة بين قلبينا منذ لقاءاتنا الأولى قبل أكثر من عقدين من الزمان، غير أن ذلك الجسر ما لبث أن ترجح في مياه خلافاتنا الأدبية التي كنا ندفعها إلى ضفاف الأيام بما يتألق في كلمات وليد قنباز ، وهي تستعيد ذكريات السهرات والملتقيات مع أدباء وشعراء ترتاح النفوس لذكر أسمائهم ومنهم عمر أبو ريشه وبشارة الخوري – الأخطل الصغير ، ورشيد سليم الخوري ـ الشاعر القروي ، وفدوى طوقان ، ومحمد العيد ، ود. شوقي ضيف ، وغيرهم كثر .
كانت صراحته تفتح أبواب شرفاتها فتحاً لا يجارى ، مما يجعل الحوار حول قضايا الأدب والثقافة يهدد طمأنينة أي لقاء يجمعنا في علاقة نمتها الحياة الثقافية في ربوع العاصي منذ أواخر السبعينيات . فهو من المتشددين في الدعوة إلى "الأصالة" الأدبية وقيمها الثقافية المتمسكة بعمود الشعر والدفاع عنه ، وأنا من المتعاطفين مع الحداثة العربية المتحمسين لتجلياتها الأدبية وتياراتها المختلفة . على جناحي صراحته أصغي إلى دفاعه الماجد عن القيم الفنية والأدبية الني يؤمن بها، ونقده الجارح لنقيضها ، ويسمح لي بفرصة مناسبة للقول المخالف النقيض ، على الرغم من حالة التتلمذ له ، التي وسمت علاقتي به طويلاً ، وبين القـول والقـول تتعزز الروابط الوجدانية التي تشدني إليه، وأكتشف على مدارج الأيام ، ما يماثل تلك الروابط تشد غير قليل من أقراني ومحبي الثقافة إليه ، سواء أكانوا من الذين يوافقونه أم يختلفون معه رأيا في هذه القضية الثقافية أو تلك
 

أدباء وشعراء من سورية ولبنان وفلسطين ومصر والجزائر يمنحون اللقاء بوليد قنباز ألقاً عربياً صافياً ، يجعل خلافنا القديم الجديد حول الحداثة وأعلامها وغيرها من القضايا الأدبية يسلم أسلحته صاغراً مطمئنا لشروط الصداقة بين البشر .
الشقة السكنية المستريحة على سفح قاسيون ، وقد ضمته طالباً جامعياً في أواخر الخمسينيات مع زملائه في الدراسة محمد خير حلواني ، وفخر الدين قباوة ، ومحمد كمال عبد الهادي، تمنح أحاديثه مودة لا تنضب فتجعل طاولة الكلام بهية بزملاء تلك المرحلة من محبي الثقافة والأدب ومنهم محمد رضوان الداية الذي كان يحجز له في قاعة المحاضرات المكان القريب بما يحمل من كراسات الجامعة في حالة تأخره عن الحضور، وعيسى فتوح الذي اصطحبه ذات يوم إلى مجالس أدبية دمشقية يمنحها صوت كوليت خوري تألقاً إنسانياً رفيعاً ، وصابر فلحوط الذي كان يقرأ في نادي الجامعة قصائد شعرية تفيض وفاء ووطنية وعروبة ، ويحيى الكيلاني المشغول بحكاية قصصه الأدبية الماتعة ..
عندما كان في السنة الجامعية الرابعة ، أعد حلقة بحث في شعر الدكتور وجيه البارودي بإشراف أستاذه د. جميل صليبا ، فكانت تلك الحلقة بداية رحلتهما المشتركة على دروب الحياة والأدب ، وقد تحولت هذه الرحلة إلى ظاهرة متميزة في المشهد الثقافي لمدينة حماة ، لها مؤيدوها ومعارضوها ، يدافع عنها بجدية وحماسة واضحتين ، كثيراً ما انسحبت أمام صدقهما محتفظاً بما أحمل من تعليقات وملحوظات .
حياته في مدينة باتنة الجزائرية عاصمة الأوراس بين عامي 1967-1972 ، تشكل ينبوعاً ثرا يرفد كتابته بصور فاتنة ، تلون ذاكرة عضو في البعثة التعليمية السورية بكل ما تزخر به من ألوان تلك الحقبة المهمة من تاريخنا القومي المعاصر .
أسهم بعد عودته إلى سورية في إصدار عدد من الكتب الأدبية يغلب عليها الطابع المدرسي التعليمي منها "الأدب في عصر الانحطاط" و"الأدب السياسي الوطني القومي" ، و"الأدب المهجري" وغيرها .
وتابع نشاطه محاضراً وشاعراً في المنتديات الأدبية والثقافية ، ينشر الدراسات في الصحف والمجلات ، فيكتب عن شخصيات حَماة في العصر الأيوبي والمملوكي، وعن أدباء عصره ، كما يكتب في الجغرافية الأدبية عن حَماة وأنطاكية وشيزر ومعرة النعمان وأرواد وأفاميا وغيرها . وقد جَمعنا الاهتمام بتراث حَماة وعاصيها وأعلامه ، في غير ندوة ومهرجان ، فعملت بإشرافه حيناً ، ومتعاوناً معه حيناً ، في تنظيم الملتقيات وكتابة البحوث والمحاضرات ، عن أسامة بن منقذ وأبي الفداء وابن حجة الحموي وغيرهم ، في المراكز الثقافية والمرافق الجامعية وغيرها، وقدم لي في هذا المجال عونا طيبا، أثر في نفسي أعمق الأثر ، منمياً فيها انتماءها لبيئتها وإيمانها بمجتمعها ونهضته. ذلك التراث الماجد الذي فتح وليد قنباز غير قليل من نوافذه أمام عيني الصغيرتين، جاعلا مكتبته الخاصة الثرية قريبة من يدي، أضحى جزءا من هويتي الشخصية، وعلامة من علامات علاقتي بالثقافة والحياة .
عندما كان يسأل عن سبب تأخره في جَمع تلك الدراسات والموضوعات في كتب مناسبة، تجده ينظر إلى صديقنا المشترك الشاعر محمد عدنان قيطاز محاولاً التماس كلمات تسعفه في إجابة ، لكنه يخسر هذه المرة في الحوار معترفاً بتقصير بدأ يطوي صفحاته عندما صدر له في السنوات القليلة الماضية ديوانه الشعري "من القلب" مع مقدمة مناسبة خطها قلم الأديب عبد الرزاق الأصفر ناضحاً من معين محبة الأدب ورسالته السامية وما يبهج النظر إلى الحياة بماضيها المحمل بالذكريات ومستقبلها الواسع . ثم تلاه ديوانه "الحبيبة والعشيقة" الذي يمور بمحبة صوفية لمدينته وعاصيها اللذين بادلاه الحب بالحب الذي تعجز هذه الكلمات عن وصفه ورسم صوره المتألقة بالقيم النبيلة والمثل السامية.
عندما نشرت كتابي المتواضع "أسماء على ضفاف العاصي" ، ظننت أنني بما ضمنته الصفحات من ترجمة لاسمه الكريم قد أديت بعض الأمانة التي يفرضها الوفاء، غير أنني أقف اليوم متأملا في رحيله ، لأدرك أن ما قيل ويقال فيه قليل قليل.
يرحل وليد قنباز تاركا اسمه الجميل في حياتنا الثقافية والاجتماعية علامة ثرية الرموز والدلالات قادرة على رفد تلك الحياة بألق من القيم الطيبة والنبيلة التي تزين نهوضها على دروب أحلامها الكبيرة 
لمشاهدة مقالة د . موفق أبو طوق - وليد قنباز وحديث الذكريات
الرجاء النقر على الوصلة التالية - جريدة تشرين - أرشيف

  بمناسبة تكريم اتّحادنا لَهُ: وليد قنباز شاعراً وناثراً ـــ د.موفق أبو طوق

بيني وبين الأديب الكبير وليد قنباز.. أواصر متينة، وصلات حميمة، وصداقة موغلة في القدم، وذكريات تعود إلى ربع قرن أو يزيد!. وعلى الرغم من أنني لا أذكر كيف التقيت وليداً لأول مرة، ومتى تمّ ذلك، وأين؟ إلا أنني أذكر بدقّة أن اسمه كان مرافقاً لمخيلتي منذ نعومة أظفاري، فاسم وليد كان يتردّد في مجالس الكبار، واسم وليد كان يتردّد على ألسنة الطلاب والمعلمين واسم وليد كان يتردّد في الأمسيات والمحاضرات والندوات الأدبية، واسم وليد كان يتردّد أيضاً على صفحات جريدة الفداء المحلّية منذ مطلع الستينيات، عبر زاويته غير الدورية (ألوان)، وعبر مقالاته المتكررة عن النواعير في حماة، وعبر أحاديثه الشائعة الثقافية والاجتماعية والتراثية...‏

*ولعلّ واقع وليد.. يخالف ما قالته العرب قديماً (تسمعَ بالمعيدي خيرٌ من أن تراه)، فوليد في حال غيابه جميل، ووليد عندما يرد ذكره رائع.. ولكنك تراه أكثر جمالاً وكمالاً وروعةً حين تلتقي، حين تستمع إليه وتستمتع بمحادثته ومسامرته، ولقد شاء الله أن تلحقنا حرفة الأدب. وأن نخطو خطوات على درب الكتابة، فكان لابد لنا من أن نتعرف إلى أدبائنا الكبار، الذين كانوا مالئي الدنيا وشاغلي الناس في هذه المحافظة المعطاء، وكان وليد في مقدمة هؤلاء، فوجدناه أخاً كبيراً، وصديقاً ودوداً، ورفيقاً وفياً، وزميلاً غيوراً.. كان أسرعنا في هدم الحواجز الرسمية التي تفصل بين أدبائنا، وأسرعنا في إزاحة العقبات التي تحول بين قلوبهم المتحابّة، وأسرعنا في التصدّي لكلّ من يذكرهم بسوء أو يتعرض لإبداعهم بتجريح!.‏

 

*وعلى الرغم من بشاشة وليد ودماثته وحسن مسايرته، إلا أننا كنا نخاف منه!. أجل نخاف؛ وأكثر ما يخيفنا منه كأدباء؛ هو متابعته للأخطاء اللغوية التي قد يقع واحدنا فيها حين إلقائه، وبخاصة تلك الأخطاء الشائعة التي تجري على اللسان من دون أن يدري صاحبها بها، لكنّ وليداً، المدافع عن العربية، لم يكن ديكتاتوراً في أحكامه اللغوية، بل كان يأتي بالكلمة البديلة، مشفوعة بالقاعدة النحويّة أو الصرفية التي ترجّح هذا الحكم أو ذاك، ولم يكن الخوف اللغوي من وليد مقتصراً على أدباء حماة؛ بل تعدّاه إلى الكثير من معارف وليد خارج المحافظة، وفي مقدّمتهم أولئك الذين يعملون في مجال الإذاعة والتلفزيون، فكم من مذيع وقف وراء ميكرفون الإذاعة أو أمام كاميرا التلفاز وهو يتصور وليداً أمامه. واقفاً له بالمرصاد، يحصي عليه أنفاسه، ويعدّ له عثراته وهِناته وأخصّ بالذكر أولئك الذين يتحدثون ارتجالاً، ولعلّ على رأسهم المذيع المعروف مروان صواف!!

في نهاية السبعينيات، وفي يوم شتائي بارد، كنا نذرع –والأستاذ وليد- شوارع المدينة جيئة، ذهاباً، لم نلق لبرودة الجوّ بالاً، فقد كنا مشغولَيْن بحديث ذي شجون وأشجان، حديث ظلّي يتناول الشعر والشعراء في محافظة حماة.. وفي غمرة النقاش. وجدت نفسي مدفوعاً بسؤال داعب خيالي كثيراً:‏

-لماذا أنت مقلّ في شعرك، بينما تستحوذ البحوث والدراسات جلّ اهتمامك؟! أجابني، وابتسامته المحبّبة مرتسمة على شفتيه:‏

-الشعر لا يولد في الوقت الذي أريد.. إنه لحظات انفعال ليس لها موعد، ولا حيلة لنا في إقبالها أو إدبارها... ربما تأتي في العام كلّ مرّة، وربما تأتي في اليوم الواحد مرتين أو ثلاث مرات!!..‏

أنا لا أريد أن أكون ناظماً، أضع القلم والورقة أمامي، ثم أرصف كلمات موزونة مقفّاة أسميّها شعراً، وهي في الواقع أبعد ما تكون عن الشعر... في حياتي كلها لم

أكتب إلاّ القليل من الشعر. ولكنه في رأيي هو شعر حقيقي، هو انفعال لا افتعال، هو قرض لا نظم، هو ولادة طبيعية لا قيصرية!‏

هكذا كان رأيه في الشعر، وكانت مقطوعاته الشعرية –على قلّتها- مهملة، ضائعة، مبعثرة هنا وهناك.. كانت كذلك، قبل أن يجمعها فيما بعد، ويخرجها إلى النور –عقب سنوات طويلة من هذا الحوار- ضمن ديوانين مطبوعين، لن أتناولهما الآن بالتحليل والدراسة. لأن حديثي الآن عن وليد، وليس عن شعره أو خصائص شعره.‏

*توجَّه وليد في أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات، إلى كتابة التحقيقات المصورة في مجلة الفيصل، فبدأ بمدينة حماة التي خصّها بموضوع مطوّل في العدد 26 الصادر في شهر تموز 1979 وقد استعرض فيه نشأة المدينة وجغرافيتها وتاريخها وسورها وأبوابها وأوابدها ومتنزهاتها ومساجدها وقصورها ونواعيرها وأسواقها وأدباءها ومكتباتها وصناعاتها، ثم أتبع تحقيق حماة بتحقيق عن شيزر وآخر عن أفاميه..‏

وكان أسلوب وليد متميزاً في تلك التحقيقات، إذ أن نفسه الأدبي امتزج مع نفسه المعلوماتي، وكانت تحقيقاته مرفقة غالباً بنماذج شعرية أو مقاطع نثرية تؤكّد المعلومة الواردة، كما أنه كان يترك مساحة واسعة للحديث عن الأدب والأدباء، مستغلاً العنوان الجغرافي للدخول في واحات الشعر ودوحات القصة، ويتقصّد عرض أسماء زملائه الأدباء لإشهارها والتعريف بها في هذه المجلة التي كانت ذائعة الصيت وقتئذ، وتوزّع على امتداد الوطن العربي ومن أقصاه إلى أقصاه

وتحقيق حماة الذي نُشر في الفيصل كان له صدى كبير لدى الأوساط المثقفّة في حماة.. وما زال لهذا الصدى امتداده الزمني على الرغم من مرور ربع قرن على نشر التحقيق، فمنذ شهور قليلة اتصل بي أحد الأطباء المقيمين في فرنسا، وطلب

مني تأمين نسخة من هذا العدد بأي ثمن، كي يُرِيَها أبناء الجالية السورية بخاصّة والعربية بعامّة، الذين يعيشون هناك.‏

*ولو استعدنا ذكرياتنا الأدبية، لوجدنا الشاعر الحمويّ الراحل سعيد قندقجي، يقدّم وليداً في إحدى محاضراته الاستطلاعية عام 1983، بقوله: لقد وجد وليد نفسَه أخيراً، وها هو ذا قد أدرك المحطة التي عليه أن يقف فيها، ويبدع من خلالها..‏

ولعل سعيداً قد أصاب بسِهامه –وقتئذ- بعض الحقيقة، ولكنه –في الواقع- لم يصبْها كلها!. فوليد قد أبدع فعلاً في تحقيقاته المصورة، وأحاديثه المطوّلة عن الآثار والأوابد وطبائع المدن.. ولكن هذا جزء من كلّ، وواحد من مجموع، واهتمام خاص لم يصرفه عن اهتماماته الأخرى التي تنغلق بشؤون أخرى وآفاق ثقافية أخرى.‏

فوليد شاعر مجيد، وناثر مبدع، ومؤرخ بارز، وخطيب مفوّه، وناقد لاذع، وباحث لا يشقّ له غبار، وعريف حفل من الطراز الأول، وهو يريد أن يتمسك بهذه الجوانب جميعها، ولا يريد لإحداها أن تطغى على الأخرى!.‏

*أحبّ وليد حماة، وأحبّته حماة، وبادلته وفاءً بوفاء، وإخلاصاً بإخلاص، وعرفاناً بعرفان.. حتى أصبح –في الآونة الأخيرة- الوجه المرتبط بل الملتصق بحماة، ولا تُذكر حماة إلا ويُذكر وليد، ولا يُذكر وليد إلا وتُذكر حماة، ومعظم البعثات الإعلاميّة التي تأتي إلى مدينتنا، تسأل –أول ما تسأل- عن وليد قنباز، فإن وجدته، تنفست الصعداء، وأدركت أن مطالبها قد لُبيّت، وبات كل ما في حماة بين أيديها بل رهن إشارتها.. فعند وليد تاريخ حماة. وعند وليد آثار حماة، وعند وليد المشهد الثقافي في حماة، وعند وليد الكلمة الحلوة والتعبير الجميل والتعليق اللطيف، وكلّها خصال تشدّ القارئ وتجذب المستمع وتغري المشاهد.‏

 

أجل.. فوليد لا يبخل بمعلوماته القيّمة، ولا يضنّ بما لديه من وثائق، ولا يبخس أحداً من أهل العطاء حقّه.. فهو يخرج ما في جعبته بكل أمانة، ويورد الأسماء بكل أمانة، ويعطي أصحابها ما يستحقونه من خصائص وميّزات.. بكلّ أمانة أيضاً!..‏

*وأخيراً.. ربّما على حماة أن تقدّم شكرها وتعبّر عن امتنانها لابنها البار: وليد قنباز، ولكن، هل هي مضطرة إلى فعل ذلك يا ترى؟ فنحن نذكر ما قاله الشاعر العربي الكبير عمر أبو ريشة أمام جمهور حماة عام 1977، حين عقّب على الكلمة التي ألقاها الأستاذ وليد في معرض تعريفه به:‏

(كنت أودّ أن أشكر الأستاذ قنباز على حسن تقديمه لي، لكنني لم أفعل، إذ هل يُشكر الروض على أريجه، والزهر على عبيره، والورد على شذاه؟!!).‏

حماة.. هل تحذو حذو أبي ريشة، أم تشعر بأن لوليد ديناً في عنقها عليها الوفاء به، في زمن قلّ فيه الوفاء، وانحسرت قيم ومثل كنّا نعضّ عليها بالنواجذ!!‏

حماة تودع أديبها وليد قنباز عاشق نواعيرها

هشام عدرة

رحل يوم الخميس قبل الماضي الاديب والكاتب والشاعر المعروف وليد قنباز عن عمر ناهز السبعين عاما بعد صراع مع المرض اقعده المنزل خمس سنوات قبل رحيله .

ويعتبر الراحل قنباز من ابرز ادباء وكتاب مدينة حماة التي ولد فيها ولم يفارقها الا لخمس سنوات بين اعوام 1967-1972 عمل خلالها مدرسا للغة العربية في الجزائر وعاد بعدها الى حماة عاشقا لنواعيرها وحاراتها القديمة وراوياً لشاعرها الكبير الراحل الدكتور وجيه البارودي .‏

وللراحل قنباز العديد من المؤلفات في الشعر والدراسات ومنها ( من القلب ) و(ألوان) الذي يضم قصائد خليلية وطنية واجتماعية ووجدانية, كما له مخطوطات عن ابي الفداء صاحب حماة والجغرافي الشهير ومخطوطة عن الشاعر الراحل وجيه البارودي, وهناك كتاب توثيقي بعنوان (رجال من بلدي) كان يعده الراحل قنباز يتحدث فيه عن شخصيات ادبية وفكرية وسياسية ونضالية برزت مع نهايات القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشربن حيث -وكما قال الراحل في اكثر من مناسبة -ان كتابه (رجال من بلدي) سيضم صورا ووثائق تنشر لاول مرة كما كلفته دار طلاس قبل ان يقعده المرض بإعداد كتاب عن دمشق في اشعار الشعراء وكلفته الدار نفسها ايضا بإعداد كتاب عن مدينة افاميا الاثرية كان من المتوقع طباعته باللغتين العربية والانجليزية .‏

وللراحل قنباز عشرات الدراسات المنشورة في مجلات عربية كالفيصل وغيرها كما له اسهامات كثيرة في البرامج الاذاعية والتلفزيونية حيث عرف عنه طلاقة اللسان وبلاغة البيان وهو خريج قسم اللغة العربية بجامعة دمشق عام 1959 , ومدرس اللغة العربية في عدد من المدارس السورية ومن ثم عمل مفتشا في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش لعدة سنوات قبل تقاعده وكلف رئيسا لفرع الهيئة بحماة في ثمانينيات القرن الماضي واشتهر الراحل ايضا ببراعته في للالقاء الشعري في امسيات كثيرة اقامها داخل وخارج سورية حيث دعي الالقاء بمهرجان الجنادرية بالمملكة العربية السعودية قبل حوالي خمس سنوات وله محاضرات قيمة قدمها في مراكز ثقافية ومنها محاضرته عن دمشق ونزار قباني التي قدمها في مكتبة الاسد الوطنية قبل عدة سنوات ونالت اعجاب الحاضرين والنقاد .‏

من ابرز المحطات في حياة الاديب الراحل قنباز كانت علاقته بشاعر حماة وجيه البارودي حيث حفظ شعر الاخير كاملا وظل يرافقه في كل اسفاره ونشاطاته الادبية ويلقي شعره في المناسبات . وعن هذه العلاقة النادرة بين شاعرين في هذا الزمن سألت مرة الصديق الراحل قنباز فأجابني : لقد درست الادب العربي كما تعلم وبعد تخرجي من الجامعة درست الدبلوم العام فجاء الدكتور المرحوم جميل صليبا وكنا احد عشر طالبا في الدبلوم فكلف كل واحد منا بدراسة لشاعر من بلد كل طالب, فأتيت الى حماة واستشرت اساتذتي وزملائي فوجهوني لدراسة الشاعر محمد الهلالي صاحب المعارضات .وبدأت بالفعل اجمع المعلومات عنه وخلال شهرين رحت اطلع الدكتور صليبا عما حصلت عليه من معلومات فقال لي : هذا شاعر متوفى وانا اريد شاعرا حيا لدراسته فعدت الى حماة فقام بتوجيهي الى الدكتور وجيه

البارودي استاذ اسمه هاشم ميادي قال لي عليك بالشاعر وجيه فهو اشعر من عندنا بحماة ومن الجلسة الاولى شعرت وكأنني اعرفه ويعرفني واستمرت علاقتنا بعد تقديمي للبحث وهو بعنوان د. وجيه البارودي شاعر الحب والحياة واخذت عليه 20 من 20 كبحث ميداني واثناء دراستي لم اشعر بنفسي الا انني قد حفظت اكثر من 70% من شعر الدكتور وجيه الذي وضعته في الرسالة .‏

وكان الراحل قنباز يعتز بعلاقته بالبارودي ويؤكد في احاديثه انه اول من كتب دراسة عنه واول من قدمه في الاذاعة والتلفاز وهو من اخرجه خارج حماة في امسيات شعرية .‏

وقنباز اول من ألقى محاضرة ونشر دراسة في الصحافة عن البارودي وعندما سافر قنباز الى الجزائر من 1967الى 1972 كان كل قصيدة يكتبها البارودي يرسلها اليه في الجزائر ليتناقشا حولها .

وفي احدى الجلسات الادبية في منزل الكاتب الراحل عارف تامر وكان قنباز مع البارودي قال لي وهو يضحك اذكر ان عمتي قالت مرة للدكتور وجيه : ان وليد ظل يمشي وراك حتى اصبح رأسه مثل رأسك اي اصلع !‏

وفي جلسة اخرى قال الصديق الراحل قنباز لي متذكرا علاقته بالبارودي : ان اجمل الفترات التي قضيناها كانت في ستينيات القرن الماضي .. كنا نقرأ الكتب سوية فالقراءة المشتركة اعطت امتزاجا روحيا جميلا .. وكذلك كان الدكتور وجيه يخبىء قصائده ومخطوطاته عندي

 بسبب ان زوجته ام اسامة حرقت له مخطوطته الاولى وكان الراحل قنباز يدلل على هذه العلاقة النادرة بالبارودي ويستشهد بقصيدة كتبها البارودي له وعنه ويقول فيها :‏

وبعصرنا ولالف عام بعدنا يرعى تراثي باحث ومفكر ووليد راويتي وشارح سيرتي وهو كابن جني في الحديث واقدر وسيلجؤون اليه في ابحاثهم فلديه سر قصائدي والدفتر.

 رحم الله الكاتب والشاعر والاديب وليد قنباز الذي شيعته حماة بموكب مهيب ضم ادباءها واصدقاءه وطلابه الكثر ومعارفه وهو الذي لم يبخل يوما في تقديم المساعدة والنصح لطلاب حماة ولم يتقاعس يوما في تلبية طلب اعلامي او مذيع لتقديم برنامج تلفزيوني او اذاعي فكان يسافر من حماة لدمشق بشكل دائم لتسجيل حوار او فقرة تلفزيونية او اذاعية عن نواعير حماة وتراثها وتاريخها وهو البارع في البحث التاريخي كبراعته في كتابة الشعر الوجداني والانساني .‏

في ذكرى وليد قنباز

 

رضوان الحـزواني

 

الخميس 10 / 3 / 2005 رحل وليد قنباز إلى العالم الأسمى ، لكن خياله لم يرحل ، لم يزل على منبر المركز الثقافي بطلعته البهية ونبرته المحبّبة وكلماته الذهبيّة محاضراً وشاعراً ، ما أزال أراه إلى جانب وجيه البارودي يسكبان في سمعنا أعذب الأشعار وألطف الأحاديث ، وكأني به أراه يتأبط ذراع الشاعر وجيه وهما ينزلان درج المنصة ، فكيف يرحل اليوم ويغادر المنبر ؟

أذكر يوم قدّمت له مجموعتي الأولى ( على المرفأ ) وفيها بدايات تجربتي الشعريّة ، زارني في بيتي بعد يومين يوجهني توجيه الأب الحاني ويوضّح ما لي وما عليّ فكان لذلك أكبر الأثر في نفسي .

ثمّ كانت لنا لقاءات لا أجمل منها ولا أعذب ، وما لبث أن سقط طريح الفراش ، وغلبه المرض ، ولكنه كان مثال الصبر رغم اشتداد وطأة المرض حيناً بعد حين ، نعم لقد صار     - رحمه الله – عاجزاً عن ذبّ ذبابة تضايقه لكنّه ظلّ طلق المحيّا ، باسم الثغر ، وأذكر حين زيارتي الأخيرة ، أنشدته قصيدة أواسيه فيها فترقرقت دمعات سخيّة من عينيه وأخذ يلهج بالشكر ، فأنشدته غزلاً فطابت نفسه ، وأثنى عليّ بصوته الواهن فكان ثناؤه وساماً أعتزّ به ، أردت أن أودعه ، ولكنه ألح عليّ بالبقاء حتى طالت الزيارة أكثر ممّا يجب .

نعم رحل الكاتب الشاعر الباحث الراوية وليد قنباز ، ولا أدري لماذا أراني أسارع إلى مجموعاته الشعرية ، أتأمّل خطّه الذي وشّى به الصفحات الأولى .

عاطفة الحبّ تغلغلت في ثنايا قصائده ، حبّ الجمال والإنسان والحياة ، ويشهد الدكتور عبد السلام العجيلي بذلك فيقول مخاطباً إيّاه : " أهنّئك بصورة خاصة على فيض الحب الذي ينبجس من قصائدك : حب البنين والبنات وحب الرفاق ، وحب الوطن ، وحبّ الحياة بكلّ ما فيها ... إنه حب ملأ نفسك بالرضى ، ولوّن بالغبطة كلّ ما تراه عيناك ، وإنها لغبطة تُعدي قارئك فيغتبط ويرى كلّ شيء حوله باسماً  "  .

ويطول بنا الحديث إن أردنا بسط ذلك ، وحسبنا أن نتحدّث عن حبه لمدينته حماة ، فقد شغفت قلبه حباً، فأهداها مجموعته الشعرية ( الحبيبة والعشيقة ) فهي مدينة المجد يغفو الزمان بمقلتها وكأنّ أشجار عاصيها ضفائر حسناوات ، وصدى نواعيرها هزار ملهم ، وهي هدية الخالق للدنيا حيث يقول :

هذي حماة مدينة المجد التي    يغفو بمقلتها الزمان ويحلــمُ

أشجار عاصيها ضفائر خرّدٍ   وصدى النواعير الهزار الملهمُ

نزلتْ على الدنيا هديّة خالقٍ    في أيّها طوّفتَ أورق موسـمُ

حماة – كانت – في حياته كلّ شيء ، يتملّى مفاتنها ، يذرع شوارعها ، يتنزّه في رياضها ، وعلى شاطئ عاصيها، يمنحها حبّه وفكره ، يقول الأستاذ عبد الرزّاق الأصفر عنه : " وعرفنا عنايته بتاريخ حماة ، وأعلامها ، وآثارها ، ونواعيرها ، وعاصيها ، وتراثها الفصيح والشعبي والاجتماعي والفني ، ولا بدع ، فهي عروس الوادي الفاتنة التي عشقها منذ فتح عينيه على مجالي سحرها الطبيعي ، في نعومة أظافره ..."  .

 وينظر إليها بعين الوامق ، فإذا هي حوريّة مليحة القدّ لو مرّ بها الزمان لسكر بهواها ، لقد سكنت في قلبه وباصرته وهي العيون الحوراء تأسر بجمالها ذوي الألباب :

مليحة القدّ لو مرّ الزمان بهــا    لنالَه من هوى أعطافها سكَــرُ

هي التي سكنت قلبي وباصرتي   وهي العيون التي في طرفها حورُ

و جريدة حماة جريدة ( الفداء ) تذكر زاويته ( بصراحة ) ينتقد ويعلّق ويوجّه بروح المحبّ لها ، المشفق عليها لتكون لؤلؤة الزمان ، ولكنه في شعره يصوّرها أروع تصوير،  فهي لؤلؤته الفريدة كلّما قلبها ازدادت تألّقاً وازداد بها شغفاً ، ولكنّ هذه اللؤلؤة لا تظلُّ مجرّد حجر كريم ، بل يبث فيها الروح فيشخصها كائناً حيّاً تنزل على ضفاف العاصي وتكاد تغرق في لجّه الجذّاب لولا كبرها ، إنّه يحبها إلى درجة الجنون فقد أوثقته بحبل هواها ، ويظلّ يحبها مادام قلبه يخفق :

وحمـاة لؤلؤتي الفريـدة ، كلّمـا   قلّبتها في خاطري تتألّــقُ

نزلت على العاصي ، ولولا كبرها   في لجّه الجذاب كادت تغرقُ

قالوا : جننتَ بحبها ، فأجبتهــم    إنّي بحبلٍ من هواها موثـقُ

ولسوف أبقى هائماً في حبّهـــا   ما دام في جنبيّ قلبٌ يخفـقُ

وإذا كان الشاعر مفتوناً بجمالها ورياضها وعاصيها ونواعيرها ؛ فإنّه يأسى إذا ألمّ بها مكروه ، فعندما شحّ ماء عاصيها وتوقّف بعضها عن الدوران وتحطّم بعضها وتناثرت أخشابها ، وأصابها الإهمال ، وإنّني أذكر كيف أسرع إلى المسؤولين يناشدهم في مقالاته ومحاضراته كي ينقذوها ويحفظوها من الدمار، يقترح حلولاً شتّى قد تكون حلولاً مثالية لا يمكن تنفيذها ، ولكنها سعي صادق لإعادة الحياة إليها ، ومراراً راح يطالب بصرف طبيعة عمل لنجّاريها فعملهم لا مثيل له في الوطن ويستحق كلّ تقدير ، ولكنّه كان في شعره أروع تصويراً لماساتها وأصدق تعبيراً عن عواطفه ، حتى الحجارة تألّمتْ لما حلّ بها

وعندما تسأل عنها لا من مجيب ، فتغيب ناعورة وتتبدد أخرى وتتجرّع ثالثة العلقم في صمت وأسى :

فلله أعراس النواعير أصبحـتْ    سراباً ، وأضحت بالجهالة مأتمـا

يمرّ بها العاصي فيشهق حسـرة   وكانت تساقيه فيرقى إلى السـمـا

وتسأل عنها في الرحاب حجارةٌ   ولا من مجيب .. أصبح الدهر أبكما

فناعورة غابت ، وأخرى تبدّدت    وثالثة بالصمت تجرع علقمـــا 

 

ثمّ ما يلبث أن يفدّيها بكل ما يبديه ويخفيه فهي ملهمته وهي شذى المواسم في أشعاره ، فيمرّ بالنواعير الحزانى يشاطرها الحزن واللوعة ، بل ويندمج بها اندماجاً حارّاً فإذا أنينها أنينه وحزنها حزنه ، يحتضنها  بين ضلوعه ويسكنها في قلبه الأمين :  

حماةُ  ، فداك ما أبدي وأخفي   فأنت شذى المواسم في لحوني

مررتُ على النواعير الحزانى  وكان بها الأنين صدى أنينـي

فظلي بين أضلاعي حنينــاً   وقعت به على قلبٍ أميـــنِ

والشاعر شديد الفخر بماضي مدينته العريق وأمجادها السالفة ، ولقد قدّم كثيراً من المحاضرات عن رجالاتها وتاريخها وآثارها ، ولا ينسى أن يذكرهم في قصائده ، فيشيد بأبي الفداء ملكها الأيوبي الذي تنسب إليه ويعدّد مآثره وفضله على العلم والأدب ورعايته للشعراء ومنهم سيد شعراء عصور الدول المتتابعة صفيّ الدين الحلي والشاعر ابن نباتة المصري وأستاذه ابن واصل الحموي ، حيث يقول وليد :

ماذا سأذكر من روائع أمسها    وشموسها في كلّ عصرٍ تشرقُ

فأبو الفداء حضارة ومفاخـر    وعلى مدى الدنيا جناح يخفـقُ

 ثمّ يذكر من أعلامها الأديب الشاعر ابن حجة الحموي والمؤرخ الجغرافي ياقوت الحموي والشاعر المحلّق ابن مليك الحموي ، وأبرز شعراء سورية في عصره محمد الهلالي .

رحم الله وليد قنباز لقد كان علماً من أعلام الأدب والثقافة في حماة ، طارت شهرته إلى الأقطار العربية ولا سيّما في استطلاعاته الجميلة عن أماكن تجمع بين التاريخ والآثار والآداب   نشرها في في المجلاّت العربية وعرف بين الجميع متحدّثاً يأسر لب السامع بطلاوة الحديث وجاذبية الإلقاء ،  وهاهوذا نزار قباني يخاطبه فيقول : " .. ولقد خفت – يا وليد – أن تسرق دمشق على حصان كلماتك الجميلة ، وغزلك الدافئ ، فتذهب معك إلى حماة .. وتتركني مطموراً تحت ثلوج لندن .. ولكن الله سلّم .. فشكراً على شهامتك ، وطهارة غزلك ، وعفتك اللغوية والجمالية

صحبتُه أحياناً إلى عدد من معاهد حماة وثانوياتها نلتقي بالطلاّب لقاءات أدبية نسمعهم ونستمتع إليهم ، فكان حريصاً على توجيه المواهب الشابة ، يحبّب السامعين بالأدب ،  وكان وجهاً محبوباً ، منبسط المزاج ، يملأ المكان بشراً وحبوراً بما أوتي من خفة الظلّ وحضور البديهة ، وظرف الدعابة وبثروته الواسعة من محفوظاته الأدبية حتى ليخيل إلى السامع أنه في ذلك أشعر مما يرويه من شعره ، ولكنك حين تسمع شعره تراه يحملك على غوارب شعره إلى آفاق إنسانية مترعة باللون والألق لأنه يصوغ شعره من ذوب فؤاده وصافي بيانه بعيداً عن الإبهام والغموض ، وهذا الشاعر عبد المجيد عرفة يخاطبه :

غرّد وليد، فما غنّى الألى نظموا   كما نطقتَ ونغّمتَ الموازينا

فمن يراعك سيل الشعر منسكبٌ   ومن بيانك شهد القول تسقينا

كأنّ حسّان يشدو في فصاحته     أو أنّ زرياب في حفل يغنّينا

رحم الله وليداً  لقد كان بارّاً بمدينته فبادلته وفاءً بوفاءٍ وحباً بحبٍ ، وكرّمته في حياته يوم  14/ 12 /2002 وأقامت له حفل تأبين يوم 19/ 4 / 2005 أشادت بعطاءاته ، وتوّجت وفاءها له بتسمية شارع باسمه في مدينته التي أحبّها وأحبّته .

وبراً به أنشأ أبناؤه موقعاً في الانترنت : www.kunbaz.jeeran.com

وقد تضمّن سيرته الذاتية وطرفاً من أعماله ، وأملنا أن يعملوا جاهدين لكي ينشروا فيه كلّ أعماله الأدبية الكاملة .

 

وداعاً "وليد قنباز"

علاء الدين كيلاني

 تحت الظلال الندية و على مقربة من فسحة آخت  حدودهاالماء ابصر وليد قنباز الدنيا ,والى جوار ساحة ودودة هي الاشهر في مدينة العاصي استقر  مقامه لكنه لم يعرف الهدوء طوال حياته, فبقي مثل الجواد الجامح بعنفوانه وكبريائه يمخر عباب  المعرفة

لم يكن ذلك الرجل الذي أبدع بقلمه وحسب , بل كان أيضا فناناً استطاع من خلال عينيه أن يلتقط لوحات رائعة , تعكس بجلاء حبه للطبيعة الخلابة , والآثار , والتراث , وتترجم عشقه الابدي لمدينة ما زالت رغم هجوم الاسمنت تمنح بأوابدها التاريخية أروع الصور وأكثرها فتنة للنظر .

أحب "قنباز" حماة , وعشق نواعيرها وحاراتها القديمة , ودفعه حبه هذا كي يحمل الكاميرا ويوثق بعين المؤرخ والباحث نبض أحجارها التي آخت العاصي وتزاوجت معه .. بمشاعر صادقة ونقاء رائع , فنشط في مجال الاستطلاع , ونشر عدة استطلاعات فريدة في مجلات عربية وعدد من الصحف السورية , لعدة مدن تاريخية , استنطق أحجارها الجامدة , فدبت فيها الحياة ونطقت لغة , بقيت شاهدة على عظمة التاريخ التي يجلو بهاءها قلم أديب ثر .

 

وبمثل هذه المشاعر النبيلة , زرع "الفقيد" شعره وأدبه فوق الضفاف المتعرجة , ومضى يسقي زرعه بمياه العاصي النقية , ثم فتح نوافذ قلبه ينشد الأنسام الطرية خلف الرؤى

الحالمة , فكتب وأبدع وحقق وبحث , على مدار سنوات طويلة , وبات أشبه بموسوعة يغرف منها كل دارس وصاحب حاجة إلى فكرة أو معلومة , أو قصيدة , أو مبحث كي يرتوي منه .

وعلى الرغم من أن التكريم الذي جرى له قبل عدة سنوات جاء متأخرا , وذلك بعد أن كسر المرض عوده , غير انه شكل بحد ذاته دفعاً قوياً لاستمرار تفوق هذا الأديب الكبير على مرضه واستمراره في رحلة العطاء التي ما توقفت حتى في اشد لحظات التراجع الصحي .

استقوى "وليد قنباز" على ضعف جسده  ..بمشاعر من حوله ودفء قلوبهم .. فانفتحت له مجامع القلوب والعيون , وحفت به النظرات تنطق من الجوارح بما يفيض عن الحدود التي ينطق بها اللسان, لقد كانت لغة القلوب أقوى في التعبير والوفاء " لذلك الرجل " بدفقها الصاخب من سكون الحروف فوق شفاه باردة .

 رحل وليد قنباز  على أنغام النواعير الحزينة وموسيقامياهها الشجية  ..  وبقي رحيله غصة في قلب مدينة احبها وعشق ترابها حتى النبض الاخير من قلبه المتعب