حماةُ مدينة العاصي والنواعير

قالوا : حماة , فقلت : فجر مشرق والكوثر الرًّقراق فيها يغدق
الصفحة الرئيسية
ترجمه مفصلة عن وليد
حماة و وليد
صور
حماه عبر التاريخ
الشعر الفصيح
التكريم والتأبين
بحث د الدغيم
مقالات بصراحة
معلم الأجيال
أغاني شعبية
بعض الشهادات
أبو الفداء صاحب حماه
مقالات في مجلات
مقالات في مجلات 2
مقالات في مجلات 3
مقالات في مجلات 4
آثاره المطبوعة
رمضان في الذاكرة
خواطر صحفية
صور العاصي والنواعير
صور العاصي والنواعير 2
مقالات مسافر على الورق
البرامج المصورة
الأستاذ لمباركية نوار
مشاعر الأصدقاء
دفتر الزوار
للإتصال بنا

 

كان من المفروض أن تكون ولادتي في الشهر الخامس من عام /1935م/, ولكنني استعجلت لمواجهة هذه الحياة الدنيا قبل شهرين من الموعد , فأنا (سبيعي) أو(سبعاوي) كما يقولون , ولست أعلم سر هذا الاستعجال . ولكنني دلفت إلى هذا الوجود في مساء الثاني من آذار من عام /1935م/, وعندما بدأت تعرف ما حولي ومن حولي وجدت أن مولدي كان بعد ما يقارب عشر سنوات من استشهاد عمي الدكتور صالح قنباز عضو المجمع العلمي العربي السوري وعضو الجمعية الجغرافية في باريس,وعمدة جمعية دار العلم والتربية , وأحد كبار مؤسسي هذه الجمعية العريقة . درست الدراسة الأولية والابتدائية في مدرسة دار العلم والتربية , وحصلت على شهادة "السرتفيكا" أو ما يسمى الآن الشهادة الابتدائية , أو إتمام المرحلة الابتدائية , وكانت مدة الدراسة خمسة أعوام لا ستةً. كان أبي يشتغل في أمور البناء , وهو متخرج في الكتاب , ومن الصف الثالث الابتدائي , وأمي كانت تقرأ القرآن الكريم وحسب , ولكنني عرفت وتعرفت منها الجد والحنان والعطف والإيثار , وقد تخرج كل إخوتي وأخواتي في التعليم العالي , ونحن تسعةٌ , أربعة ذكور وخمسة إناث... انتسبت إلى ما كان يدعى في مدينة حماة مدرسة التجهيز التي صارت من بعد ثانوية بن رشد , ودرست فيها المرحلة الإعدادية , وأما بعد الأول الثانوي فانتقلت إلى ثانوية أبي الفداء , فالشهادة الثانوية كانت في تلك المرحلة أربعة أقسام : القسم الأدبي ويضم شهادة الآداب واللغات , والاجتماعيات , والقسم العلمي يضم شهادة الرياضيات والطبيعيات , ونلت الشهادة الثانوية بتفوقٍ أهلني لدراسة مختلف الكليات حتى إنني قبلت في طب الأسنان , ولكني اخترت اللغة العربية لأنني أحبها وكنت من أوائل المتفوقين بها في خلال الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية. لقد فاتني أن أذكر أنني قرأت كتب المنفلوطي كاملة وأنا في المرحلة الابتدائية , ومضيت إلى كتب طه حسين وتوفيق الحكيم ومصطفى صادق الرافعي , وأنا في المرحلة الإعدادية , وأما كتب عباس محمود العقاد فكانت رفيقاً لي في المرحلة الثانوية , وأن أذكر أن نهاية المرحلة الابتدائية – كما قلت سابقاً- كانت تدعى "السرتفيكا" , ونهاية المرحلة الإعدادية كانت تدعى "البر وفيه" وان نهاية المرحلة الثانوية كانت تدعى "البكالوريا". وإني لأعجب من زوال الاسمين القديمين , أعني السرتفيكا والبر وفيه التي صارت إلى الكفاءة ثم إلى الشهادة الإعدادية , وبقي اسم البكالوريا حتى الآن في لفظ العامة والخاصة. انتسبت إلى كلية الآداب قسم اللغة العربية في عام /1956م/ وتعرفت إلى أساتذة كبار وعلماء أجلاء , أذكر منهم: الدكتور شكري فيصل , والدكتور صبحي الصالح , والدكتور صالح الأشتر , والدكتور عبد الكريم اليافي , والدكتور جورج حداد , واللغوي والنحوي الكبير سعيد الأفغاني , والدكتور أمجد الطرابلسي. كنا في قسم اللغة العربية خمسة وعشرين طالباً وطالبة , وكأننا في درس خاص , ومن العجيب أن عدداً كبيراً من الزملاء والزميلات قد صاروا أدباء يشار إليهم بالبنان , وأذكر منهم : الدكتور محمد رضوان الداية , والدكتور صابر فلحوط , والدكتورة هناء الدويدري , والأدباء : القاص يوسف المحمود , والكاتب عيسى فتوح , والمحقق عبد العزيز رباح , والمخرج فرحان بلبل , والشاعر الكاتب يحيى كيلاني , والأديب محمد عيد جاد الله... تخرجنا في قسم اللغة العربية وكانت شهادات أربعاً هي على التتابع : شهادة الثقافة العامة , شهادة تاريخ العرب والإسلام , شهادة علوم اللغة العربية , شهادة آداب اللغة العربية , وانتسبت مع تسعة من زملائي إلى كلية التربية , ونلت شهادة الدبلوم العامة في التربية عام /1961م/ , وكان تقديري جيداً. وأذكر عبارةً قالها المرحوم الدكتور شكري فيصل لنا : "ثقافتكم تبدأ بعد تخرجكم" , وأنا وجدت هذا القول صحيحاً ومطابقاً للواقع , فقد كنت أحفظ أبياتاً كشواهد لأثبتها في الامتحانات , وكانت هذه الأبيات تعد بالعشرات , ولكن بعد تخرجي صار مخزوني عشرات الآلاف من الأبيات , سواء أكان ذلك من الأدب القديم أم الحديث , وصارت كتب مكتبتي بعد أن كانت عشرات , أربعة آلاف مجلد من أمهات كتب التاريخ والآداب والنحو والمعارف العامة كان تدريسي الأول في محافظة ادلب حيث اخترت مدينة "معرة النعمان" "مدينة أبي العلاء المعري" لقربها من مدينة حماة , وفي هذه المدينة ألقيت أول محاضرة عامة على جمهور المركز الثقافي العربي الذي كان يدعى مركز الحكمة العلائية. وكان عنوان هذه المحاضرة "سهرة مع أبي القاسم الشابي" وكان هذا أول لقاء بيني وبين جمهور مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية. ودعيت إلى خدمة العلم , والتحقت بكلية ضباط الاحتياط في حلب , ثم فرزت بعد أربعة أشهر إلى مدرسة المدرعات في القابون , وتعرفت إلى الرائد الأديب والشاعر غازي أبو عقل , الذي أصبح لواءً من بعد وأحد محرري جريدة الكلب التي كان يصدرها المرحوم صدقي اسماعيل , وتشاء الظروف مع المطالعة الجادة أنني كنت أول دفعتي , وكان العرف حينذاك أن الأول من كل دفعة يحتفظ به بالمدرسة أو القطعة التي تخرج فيها. وقد عانيت نظم الشعر منذ السنة الأولى الجامعية , ولكنني ما فكرت أني سأصدر ديواناً شعرياً في يوم من الأيام , ولهذا لم أجمع قصائدي في دفتر خاص على الإطلاق كان من عادتي وهوايتي أن أتعرف إلى من هم أكبر مني سناً , ولعل ذلك نابع من حب الاستفادة من تجاربهم وخبراتهم ومعارفهم , فكان الشعراء والأدباء : الدكتور وجيه البارودي , الأديب محمود الزعيم , الشاعر عبدالله يوركي حلاق , الشاعر القروي , الشاعر بدوي الجبل , الشاعر نديم محمد , الشاعر حامد حسن , الشاعر والصحافي مدحة عكاش , الشاعر عبد الرحيم الحصني , العماد أول مصطفى طلاس... من أخلص أصدقائي, كانت تجمعني بهم لقاءات كثيرة , وكنت أحفظ من شعرهم ومن أدبهم الكم الكثير , وأخص منهم الدكتور وجيه البارودي الذي حفظت شعره كله. وكنت قد درسَت في محافظة حماة التي انتقلت إليها في عام /1964م/ , وكان نصيبي أول الأمر في مدينة سلمية , ثم في مدينة حماة , وأصدرت بالاشتراك مع المرحوم أحمد درويش خمس دراسات في الأدب العربي. وكنت ضمن البعثة السورية لتعريب التعليم في الجزائر عام /1967م/ , وأمضيت فيها خمسة أعوام مدرساً لمادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية في مدينة باتنة عاصمة الأوراس , وفي خلال هذه الفترة تعرفت إلى الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة , وأصبحت جليسه المحبب , ولقد حفظت كثيراً من قصائده الرائعة , ولقد خصني بقصيدتين بخطه مازالت احتفظ بهما حتى اليوم منتظراً أن أنشر عن هذا الشاعر الكبير كتاباً أتوّجه بهاتين المعلقتين. وعدت إلى سورية في عام /1972م/ بعد أن زرت أوربا عدة مرات وشاهدت المعالم الطبيعية والتاريخية فيها. وكان نصيبي من التدريس متعدداً من ثانوية إلى أخرى حتى استقَر بي المقام في ثانوية أبي الفداء حيث تطل على أروع مناظر حماة الطبيعية, ألا وهي جزيرة باب النهر ونواعيرها. وفي عام /1977م/ انتقلت إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فرع حماة وعملت فيها مفتشاً ورئيس فرع وخبيراً , وفي هذه الهيئة أمضيت أربعاً وعشرين سنة كانت من أخصب سنوات عمري لأنني تعرفت فيها مناطق محافظة حماة , ومناطق محافظة اللاذقية وقراهما , وتعرفت إلى أدبائهما وشعرائهما , وربطتني علاقات وطيدة, ومازلت إلى اليوم أتذكر عدة حوادث جرت بيني وبينهم , وأنوي تقد يمها إن شاء الله تعالى . ولقد أصبت بمرض نادر وهو تمَوّت الخلايا العصبية الحركية وضمور العضلات , الذي أقعدني عن الحركة وحضور الأماسي والندوات والمحاضرات التي ألقيت عدداً كبيراً منها على جماهير المحافظات السورية كافة , وفي البلاد العربية وأخص منها بالذكر لبنان والمملكة العربية السعودية. كنت أتمتع بذاكرة واعية وإلقاء معبر وحضور متميز , ولقد أسهمت في برامج التلفاز العربي السوري , وإذاعة دمشق , وفي معظم القنوات الفضائية العربية والغربية أيضاً. أصدرت في عام /1994م/ ديواني الأول" من القلب" وفي عام /1997م/ ديواني الثاني "الحبيبة والعشيقة", وسيصدر بإذن الله تعالى : ديواني الثالث "ألوان", أبو الفداء- صاحب حماة- دراسة وتاريخ , صفحة طريفة من الأدب العابث بين حمص وحماة في القرن التاسع عشر, "محمد العيد" أمير شعراء الجزائر, وخبايا من حياته وشعره , الدكتور وجيه البارودي كما عرفته. وما تزال الذاكرة واعية على الرغم من اعتكافي في منزلي رغماً عني , وكلي أمل في إنجاز ما وعدت به بإذن الله سبحانه وتعالى. لقد قلت : لست أعرف سر ولادتي المبكرة , ولكني عرفت الآن لأنني كنت أستشف حجب الغيب في أنني سأصاب في هذا المرض الذي شل حركتي وألزمني البيت على الرغم مني . وفي ذلك آية عجيبة لمن يتبصّر ويعتبر . وبعد.. إن جيلنا كان يسعى بغالبيته إلى العلم والثقافة والمعرفة , وحتى عامة الناس كانوا في جيلنا يسعون إلى التزود بالثقافة العامة من خلال المقاهي ودور الضيافة (المنـزول), وكنت ترى من بينهم من يستطيع أن يستظهر وقائع التاريخ وأحداثه , وأيام العرب وشعره الحماسي وأما جيلنا الصاعد فهو في غالبيته العظمى بعيد عن ذلك كله
حماة في 10/2/2003
وليد قنباز